السيد مصطفى مرتضىالسيد مصطفى مرتضى

Loading

بسم الله الرحمن الرحيم

خواتيم الأعمال : العبرة من بلعم بن باعورا وبرصيصا العابد.

المقدمة:
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه واله الطيبين الطاهرين .
أوصيكم ونفسي المقصرة أولًا بتقوى الله تعالى.

قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) آل عمران: 102.

المحور الأول: قصة بلعم بن باعور.
قال تعالى : (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ،وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) الأعراف: ١٧٥ – ١٧٦.

ملخص القصة:
• كان بلعم بن باعوراء من علماء بني إسرائيل، أوتي علمًا من التوراة، وكان معروفًا عند قومه بأن دعاءه مستجاب، إذا دعا الله تعالى بالإسم الأعظم أستجيب دعاؤه .
عاش في زمن النبي موسى عليه السلام.
لما جاء موسى إلى الأرض التي فيها بلعم (قيل أريحا أو مدين أو فلسطين)، خاف الكنعانيون من موسى وقومه، فطلبوا من بلعم أن يدعو على موسى وبني إسرائيل.
في البداية رفض وقال: هؤلاء أنبياء الله وأتباعه، ولا يجوز الدعاء عليهم.
لكن القوم ألحّوا عليه بالهدايا والأموال، حتى غلب عليه الطمع وحب الدنيا.
استجاب لهم وصعد إلى الجبل ليدعو على موسى وقومه، ولكن لسانه انقلب عليه، فصار يدعو لموسى وقومه بدلًا من الدعاء عليهم!
• فلما رأى القوم ذلك، قالوا له: لقد خنتنا.
• عندها أصرّ على موقفه الباطل، وتمادى في الضلال، حتى سلبه الله العلم والإيمان.
وذكروا أن لسانه خرج حتى وقع على صدره (كناية عن الفضيحة والذل).

النتيجة والعبرة:
-انسلخ من آيات الله كما ينسلخ الجلد عن الشاة.
-مثّله الله بالكلب: إن طردته يلهث، وإن تركته يلهث، أي: لا ينتفع بعلم، ولا يترك هواه . -اذن حب الدنيا واتباع الهوى والركون إلى الطغاة كانت سبب سقوطه.
عند الإختبار يتبين حقيقة الإنسان .
هناك ثلاث اختبارات مهمة .
١- قضية الأموال .
٢- قضية النساء .
٣- قضية المنصب والجاه .
بعضهم يضعف عند اختيار الأموال وبعضهم يضعف أمام الأموال او المنصب والجاه .

المحور الثاني: قصة برصيصا العابد.
قال تعالى:
( كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ، فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظالمين ) الحشر ١٧.
برصيصا العابد ،كان رجلًا من بني إسرائيل، يُعرف بكثرة عبادته وزهده، حتى قيل إنه لم يُعرف مثله في زمانه.
-جاءه قومه وطلبوا منه أن يحفظ فتاة مريضة عنده ليتعاهدها بالرعاية لأنه عابد لا يخالطه الناس.
في البداية تردد، ثم وافق، فبدأ الشيطان يزيّن له النظر إليها.
ثم وسوس له أن يكلمها، ثم يقترب منها، حتى وقع في الفاحشة.
لما حملت الفتاة، وسوس له الشيطان أن يقتلها حتى لا ينفضح أمره، ففعل.
بعد أن انكشف أمره، قال له الشيطان: “أنا الذي أوقعتك فيما وقعت، فإن أردت النجاة فاسجد لي سجدة واحدة!”، فسجد له كافرًا.
• فكانت عاقبته الهلاك في الدنيا والآخرة.

النتيجة والعبرة:
لم ينفعه طول العبادة والزهد بلا علم وبصيرة.
كان سقوطه على يد الشيطان خطوة بخطوة: النظر → الخطيئة → الكبيرة → الكفر.
-قال تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ)النور: 21.

المحور الثالث: قصة عيسى وأصحابه مع الذهب .
ورد في كتب المواعظ أن عيسى عليه السلام كان يمشي مع ثلاثةٍ من أصحابه، فمرّوا على ثلاث لبنات (طابوقات) من ذهب ملقاة على الأرض.

فقال لهم عيسى:
“إن هذه تقتل الناس”.

لكنهم اختلفوا في أنفسهم:
• فأرادوا أن يأخذوها.
• فقال أحدهم: نقسمها بيننا.
• قال الثاني: بل نرسل واحدًا منا يشتري لنا طعامًا ثم نقسم الذهب.

فذهب واحد منهم ليشتري الطعام، فحدّثته نفسه أن يستأثر بالذهب، فوضع السم في الطعام.

أما اللذان بقيا فقال أحدهما للآخر: “إذا رجع قتلناه واقتسمنا الذهب بيننا اثنين”.
فاتفقا على ذلك.

فلما رجع صاحبهما قتلاه، ثم جلسا يأكلان الطعام الذي فيه السم، فماتا هما أيضًا.

وبقيت اللبنات الثلاث من الذهب مطروحة في مكانها كما كانت، لم يأخذ منها أحد شيئًا.

العبرة من القصة:
-الطمع والحرص على الدنيا يفسد القلوب ويؤدي إلى الهلاك.
-كما قال النبي (ص):
“لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب”.
• وقوله تعالى:
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ… ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)آل عمران: 14.

الخاتمة (العبرة والنتائج والنصيحة).

أيها الإخوة المؤمنون:
لقد استمعنا إلى ثلاث قصص عظيمة العبرة:
-بلعم بن باعورا: كان عالِمًا أوتي آيات الله، لكن الشيطان تبعه، فباع دينه بدنياه.
-برصيصا العابد: عبد الله زمنًا طويلًا، لكن الشيطان أوقعه خطوةً بخطوة حتى هلك.
-أصحاب الذهب في قصة عيسى عليه السلام: كانوا ثلاثة أصحاب، ففرّقهم الطمع، فماتوا جميعًا وبقي الذهب مكانه.

كل هذه القصص تقول لنا:
العبرة ليست بكثرة العلم ولا بكثرة العبادة ولا بكثرة المال، وإنما العبرة بالثبات حتى الممات.

لقد ابتُلي الناس في ثلاثة ميادين عظيمة:
1-المال: يفتن به كثيرون.
2-النساء والشهوة: أسقطت العابد برصيصا.
3-المنصب والجاه: أورد بلعم المهالك.

فمن نجا من هذه الثلاثة نجا بحول الله وقوته.

قال تعالى:)وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ( الأعراف: 128.

النصيحة
-فلنكن عباد الله حذرين من خطوات الشيطان.
-لا نغتر بعلم ولا بعبادة ولا بصحبة، فكل ذلك لا ينفع بلا إخلاص وثبات.
-لنكثر من دعاء النبي (ص):
(يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك).

اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك،
اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب،
واجعل خير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا .

السيد مصطفى مرتضى .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *