السيد مصطفى مرتضىالسيد مصطفى مرتضى

Loading

بسم الله الرحمن الرحيم

الحكمة من الخلق

أيها الإخوة المؤمنون، من أعظم الأسئلة التي شغلت عقول البشر منذ القدم: لماذا نحن هنا؟ ما الحكمة من وجودنا؟ ولماذا خلقنا الله تعالى؟ وهل نحتاج الي الله بعد ان خلقنا ؟ اي في الاستمرار والبقاء .
وقبل أن نبحث عن الحكمة، لا بد أن نثبت عدة أمور :
1-أن الله تعالى موجود.
2- صفات الله تعالى ومميزاته .
3- أن الله حكيم.
4- الغاية من الخلق .

إذ إن من لم يثبت وجود الله , وصفاته ، فلن يسأل عن حكمته، ومن لم يؤمن بحكمته فلن يبحث عن الغاية من الخلق.

أولاً: إثبات وجود الله تعالى.

لقد سلك العلماء مسالك عدة لإثبات وجود الخالق سبحانه، ونقتصر هنا على طريق واحد هو طريق التسلسل.

معنى التسلسل

التسلسل هو أن نقول: هذا الموجود احتاج إلى سبب قبله، وذلك السبب احتاج إلى سبب آخر، ثم آخر، وهكذا بلا بداية.

بطلان التسلسل

لكن هذا القول باطل لوجوه:
1-لو كان كل شيء محتاجاً إلى ما قبله، فلن نصل أبداً إلى موجود أول، وبالتالي لن يوجد شيء الآن؛ لأن كل ما نراه قائم على سلسلة غير منتهية، ولا يمكن لشيء أن يوجد إن لم يكن هناك بداية حقيقية للسلسلة.
2. العقل يحكم بضرورة وجود علة أولى لا تحتاج إلى علة قبلها، وهي التي تفسر وجود كل ما بعدها. كما أن وجود كتاب بين أيدينا لا بد أن يكون هناك كاتب أول خطّه، وإلا لبقي الوهم والخيال بلا واقع.
3. إذن لا بد من التوقف عند موجود هو بذاته قائم، غير مفتقر لغيره، وهو الذي نسميه: واجب الوجود

صفات الله تعالى :
الله تعالى يتصف بالخالق بالرازق، بالمحيي ،بالمميت ، بالشافي ، بالمعافي ، بالقادر ….

نتأمل (بالموجودات – الممكنات ) نجد حياة اذن الله لا بد ان يكون حيا لان فاقد الشئ لا يعطية ، وهذا ما يطلق عليه بالدليل الإني ، من المعلول الي العلة .
نجد في الممكنات العلم ، القدرة ، اذن الله عالم وقادر …
ومن مميزاته سبحانه .
كيف أوجد الكائنات ؟
هناك نمطين للإيجاد :
١- (المعلول – الممكنات ) بعد وجودها مستغنية عن (موجدها – علتها ).
مثلا : البيت .
البيت يحتاج الي البناء في أصل حدوثه ، فإذا مات البناء هل يفنى البيت ؟
طبعا لا .
٢- (المعلول – الممكنات )تحتاج الي العلة في أصل وجودها واستمرارها وبقائها .
مثلا: شعاع الشمس مرتبط بالشمس في اصل حدوثة ومرتبط بالشمس في بقائه واستمراره ايضا .

علاقة الله( بمخلوقاته بالممكنات ، بالموجودات )، هي علاقة اصل الوجود – الحدوث وفي استمرارها وبقائها .
هذا هو معنى الرب .
الرب يعني المدبر ، يدبر الأمور ، في الخلق والبقاء والاستمرارية .
المشركون في عهد الرسول (ص) كانوا يعتقدون ان الله خلق الخلق وترك التدبير للأصنام …
يعني الله (المحدث – الخالق (والأصنام هم المدبرون -الرب )
ولكن القرآن يوضح الأمور عندما يقول في سورة الناس ( قل اعوذ برب الناس ملك الناس اله الناس ….)
هذه الآية توضح ثلاث معان: الرب ، والملك، والاله .
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)
• أي قل يا محمد وأمّتك: ألتجئ وأعتصم وأستجير برب الناس، خالقهم ورازقهم ومدبِّر شؤونهم.
(مَلِكِ النَّاسِ)
• أي هو المالك لهم، المتصرّف فيهم، الآمر الناهي الذي لا يخرج أحد عن سلطانه.
• ملكُه مطلق، بخلاف ملوك الدنيا، فإن ملكهم نسبي زائل.
إِلَهِ النَّاسِ)
أي معبودهم بحق، الذي لا تصلح العبادة إلا له، ولا يستحق السجود والعبادة غيره.
مختصر : الله هو الخالق والمدبر في حياة الممكنات
وهو المعبود .
بعد ان علمنا ان الله سبحانه حي ،عالم ، قادر مدبر، ملك ،اله ، نسأل هل الله عز وجل حكيم ؟
معنى الحكمة هو ان تضع الشئ في موضعه المناسب.
والسؤال : لماذا لا يضع الإنسان الأشياء في مواضعها المناسبة ؟
يوجد سبب او اسباب .
١- إما عن حاجة ،وإما عن جهل ،وإما عن عجز، وإما عن بخل .
عن حاجه فالله غني
عن جهل فالله عالم
عن عجز فالله قادر
عن بخل فالله كريم جواد .
اذن الله حكيم .
فإذا كان الله حكيم نسأل لماذا خلقت الخلق ؟ ما الحكمة من الخلق ؟.
من المعلوم ان الله سبحانه غير محتاج لأنه غني ، اذن هو ليس بحاجة لخلق الخلق وليس هناك مصلحه له لخلقه الخلق ، بل المصلحة تعود للمخلوقات ، للمكنات.
قال تعالى ( يا ايها الناس انتم الفقراء الي الله والله هو الغني الحميد ) سورة فاطر ١٥.
ما هي هذه المصلحة التي تعود للإنسان ؟
والجواب : ان الله خلق الانسان ليصل الي الكمال .
وهذا يفسر الحديث القدسي : ( كنت كنزا مخفيا فأحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف ) .
كنزا مخفيا يعني كمال مطلق مخفيا فأحببت ان يظهر هذا الكمال ، وحب ظهور الكمال من الكمال .
يريد الله تعالى ان تصل هذه المخلوقات الي كمالاتها .
كيف تصل هذه المخلوقات الي كمالاتها ؟
أيها الإخوة المؤمنون،
لقد جعل الله تعالى للموجودات طريقين للوصول إلى كمالها:
1. الوصول القهري: وهو ما نراه في الجمادات، والنباتات، والحيوانات، بل حتى الملائكة.
• الكواكب تجري في أفلاكها بنظام محكم.
• النبات ينمو وفق سنن محددة.
• الحيوان يسير بحسب غرائزه التي أودعها الله فيه.
• الملائكة مطبوعون على الطاعة لا يعصون الله ما أمرهم.
وكل ذلك يجري قهراً لا اختياراً.
2. الوصول الاختياري: وهذا مخصوص بالإنسان.
• فقد منحه الله العقل والإرادة، وجعل له قدرة على التمييز بين الخير والشر، والهدى والضلال.
• وبهذا كان الإنسان مكلَّفاً، قادراً على أن يسلك سبيل الكمال بإرادته واختياره.
فإن اختار الطاعة والعبادة وصل إلى الغاية التي خُلق لها. وإن أعرض، فقد حاد عن الحكمة من وجوده.

قال تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا( سورة الإنسان: ٣.
الغاية من الخلق

فالله سبحانه لم يخلقنا عبثاً، ولم يتركنا هملاً، بل خلقنا لغاية عظيمة هي:
• معرفته وعبادته: قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (الذاريات: 56)
الوصول إلى الكمال الإنساني، وذلك بمعرفة أسماء الله وصفاته، والتخلق بما نستطيع منها، كالرحمة، والعدل، والصدق، والكرم.
الابتلاء والاختبار: قال تعالى: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً) سورة الملك 2
أيها الإخوة،
بعد أن تبين لنا أن الله موجود، وأنه واجب الوجود، كامل الصفات، حكيم لا يضع شيئاً إلا في موضعه، وجب علينا أن ندرك أن الحكمة من خلقنا هي أن نعرفه ونعبده ونصل إلى كمالنا.

فالواجب علينا أن نختار طريق الطاعة والعبادة، وأن لا نغتر بالدنيا وزينتها، فإنها ممر لا مقر، ودار عمل لا دار جزاء.

اللهم ، وفقنا للسير على طريق الكمال الذي رضيت لعبادك، واجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم نلقاك.
وصلى الله على سيدنا محمد واله الطيبين الطاهرين .

السيد مصطفى مرتضى .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *