الشيخ مازن السهلاني

Loading

النجف الأشرف
في ذاكرة الشيخ مازن السهلاني
الحلقة السابعة

ما بينَ أصحابهِ آخى الرسولُ وما
رأى سواكَ أخًا يوم المؤاخاةِ

سكنتُ النجف الأشرف المدينة المقدسّة وجالستُ فيها أعاظم العلماء والخطباء وكان عمري خمسة عشر عامًا كنت اجلسُ حتى بخدمة رجُل الثمانين لأستفيد من تجاربه وعلومه واخلاقه ولا ادري هل يأتي زمن مثل ذلك الزمان حيث كان الدخول إلى بيوت الفقهاء والمجتهدين والمدارس الدينية ما أسهله ، كُنتُ ارى النجف الأشرف حقًا مدينة مُقدسّة لها خصوصية خاصة لا نظير لها في العالم من خلال أنديتها الأدبية والثقافية والاجتماعية ومكتباتها ومجالسها الدينية لكن سرعان ما تدهورت الأوضاع وبدأ النظام البعثي القبيح بمحاربتها ومحاربة حوزتها العلمية وتسفير طلابّها الاجانب وزجّ الكثير من الطلبة في سجونه الرهيبة وراح يبذل كلّ قواه ضد المجالس الحُسينية ويمنعُ من احياءها حتى اندلعت انتفاضة صَفر الخالدة في بداية الشهر الثاني ١٩٧٧ التي غيرّت وجه العراق حيث استخدم النظام البعثي القبيح كلّ قوتّه وقواتّه واستنفر كلّ اجهزته الأمنية لقمعها فكانت هذه الانتفاضة التعبير الصادق عن غضب واستياء المجتمع النجفي تجاه سياسات النظام البعثي القمعية وقمعه للشعائر الحسينية المقدّسة فخرجت النجف بأهلها في مسيرات وتظاهرات حاشدة وسارت الجموع باتجاه طريق مدينة كربلاء متحديّة قرار السلطة الحاكمة الذي أعلنه محافظ النجف الأشرف جاسم الركابي آنذاك حيثُ هددّ اهالي النجف الاشرف بعنف وقسوة بضرب كلّ مَنْ يخرج لزيارة الأربعين ويعارض هذا القرار في اجتماع عقدهُ مع بعض أصحاب المواكب والهيئات الحسينية ، ولكن خرجت الحشود النجفية المؤمنة واشتبكت مع عناصر الأمن التي عرقلت مسيرتهم وأعتُقل خلالها العديد من المنتفضين قسمٌ منهم نالوا شرف الشهادة امثال عجينة والعكايشي والطالقاني والبلاغي وابو گلل وغيرهم من الشهداء رحمهم الله ، نعم حاول النظام البعثي المجرم كما حاول الأمويون والعباسيون أن يحجزوا الملايين عن زيارة الحُسين لأنهم يعرفون تماما أن هذه الزيارة تمثل عملية التحام بمسيرة الحسين فالأمة حينما تزور الحسين دليل واضح على تعاطفها مع الحسين وأهداف ثورته وهذا ما كانت تخشاه السلطة البعثية والسلطات المنحرفة التي تعادي الحق والإيمان فهي لا تريد للأمة أن تلتحم بالقادة الحقيقيين لها لذا حاولت أن تفصل بين الأمة وقياداتها الحقيقة المُقدسّة. كان بيتنا يقع في محلة العمارة مقابل دار الشيخ علي كاشف الغطاء وعن يميننا دار الحاجة التقيّة (لُمعة) وعن يسارنا دار الشيخ عباس الخافوري رحمهم الله جميعًا وقريب مِنّا بيوت نجفية متعددة (الدخيلي ورمضان وصحين ورحيمة وابو اللبن وعبادة وابو طبيخ) وهناك عگد صغير قريب مِنّا يسمى عگد الأعسم كانت تسكنه عوائل متعددة اتذكّر منهم ال الأعسم وآل الجواهري ومحي الدين وزايردهام وسميسم ودار للسيد جعفر بحر العلوم وبيوتات اخرى والمُلفت للنظر كيف تمّ بناء هذه البيوت في هذه الازقّة الضيقة بتصميم دقيق يا لهُ من فنٍّ معماري بديع!! كان شباب هذا العگد الصغير لديهم (تكية حُسينية) ينصبون خيمة لاحياء مجالس العشرة الاولى من شهر مُحرّم فترى العگد يتكحّل بالسواد والأعلام ويشعّ بالإنارة والقناديل ولكنْ توقفّ هذا النشاط بعد انتفاضة صفر الخالدة لمحاربة السلطة البعثية لهذه الشعائر والحد من احياءها فقد ادرك نظام البعث خطورة الشعائر الحسينية على عرشه ففيها شعارات تهدد كيانه ولو سمح لهذه الشعائر بالظهور فانّ الثورة قادمة لتزيله من الوجود. كان بالقرب من بيتنا دار صغيرة للسادة ال بحر العلوم كان يسكنها الفقيه السيد علاء الدين بحر العلوم قبل ان ينتقل إلى داره الأخرى في نفس (العگد) وسكنها فترةً قصيرة ايضًا الشيخ مُحمّد مُغنية احد طلبة العلم من لبنان كان مديرًا لمدرسة دار الحكمة التي كان يرعاها ويشرف عليها في ذلك الوقت السيد محمد رضا نجل المرجع السيد محسن الحكيم رحمهم الله ثم انتقل الشيخ مُغنية إلى لبنان وعينّ قاضيًا في مدينة صور. كُنّا قريبين لدار سماحة الحجة التقي الفقيه الراحل السيد علاء الدين بحر العلوم رحمه الله الذي اعدمهُ النظام البائد مع أبناءه السادة الأبرار (علي ومصطفى ومحمد امين) ومجموعة كبيرة من افراد اسرته وأسر اخرى في الانتفاضة الشعبانية عام ١٩٩١ وكان سماحة السيد علاء الدين يعقدُ مجلسًا سنويًّا في داره المباركة ايام شهادة مسلم بن عقيل عليه السلام تحضره طبقات متعددة من اهل العلم والفضل وكان خطيب المجلس الخطيب المفّوه الشهيد الشيخ عبد الأمير ابو الطابوق رحمهُ الله كان من لوامع الخطباء من خريجّي كليّة الفقه ، شخصية هادئة فذة تبرعمت شخصيته المنبرية بمصاحبته فطاحل الخطباء كُنتُ أراهُ ملازمًا للخطيب الراحل الشيخ وهاب الكاشي وقد رأيتهُ في بعض المجالس يقرأ مُقدمّة امام السيد كاظم القاضي كما كان دائم الحضور في مجالس آل نصّار وابو طبيخ وبحر العلوم وزين الدين وغيرها.. من ذكرياتي عن المجالس النجفية كانت تُقام مطاردات شعرية في كثير من البيوتات النجفية او ما يُسمّى بأدب المفاكهات تتكون من الوزير والجلّاد والحضور الكريم حيث يبدأ احد الحاضرين بقراءة البسملة وبما أنّ آخر حروف البسملة هو حرف الميم فيطلب إلى مَن بجانبه ان يأتي ببيت شعر يبدا بحرف الميم وهكذا الحروف الأخرى التي تأتي فيما بعد ، أو يبدأ احدهم بقراءة ابيات من ديوان المتنبّي او البحتري او الارجاني ويقف عند القافية طالبًا من الآخر ان يقفّي (ربمّا يقرأ له شطر البيت الشعري ويعطي لهُ عَجز البيت بكلمات غير مرتبّه ليرتبهّا مع دقيقة واحدة من الوقت) واذا تخلفّ واعتذر عن الجواب فالحُكم للوزير إمّا ان يطلب منه ان يتبرّع بحلوى وإمّا ان يعفو عنه وامّا ان يأمر الجلّاد بضربه على كفّه و كانت تسود هذه المجالس الأريحيّة والتشجيع على التعلّم لاسيمّا وهي مجالس مليئة بالنوادر والمناظرات والمناقشات والطرائف خصوصًا في أيام شهر رمضان المبارك الشهرُ الذي يجمع بين العلم ولذة العبادة حيثُ تتحول النجف الأشرف الى دُرّة متوهجة وعالم روحاني فريد، مجالس عشقتها وارتشفتُ من نميرها ومَعينها وكنتُ احفظ الكثير من تراثها ونوادرها ففي احد الليالي طُرحَت ابيات شعرية ينسبها البعض لأحد الشعراء ولكن الشاعر الحقيقي لها حقًا هو ( أبو الأسود الدؤلي) تلميذ الامام علي عليه السلام وهو أولّ مَن وضع قواعد النحو بإشراف الامام عليه السلام يتحدث في أبياته عن مشكلة المُربّي فيقول:
يا أيُّها الرجلُ المعلّمُ غيرَهُ
هلّا لنفسكَ كان ذا التعليمُ
تصفُ الدواءَ لذي السِقامِ وذي الضنا
كَيْ ما يصحُّ بهِ و أنتَ سقيمُ
ونراكَ تُصلحُ بالرشادِ عقولَنا
أبدًا و أنتَ من الرشادِ عديمُ
فأبداْ بنفسكَ فأنْهِها عن غيِّها
فاذا انتهت عنهُ فأنتَ حكيمُ
إلى ان يقول في آخر أبياته:
لا تنهَ عن خُلُقٍ وتأتي مِثلَهُ
عارٌ عليكَ إذا فعلتَ عظيمُ

هذه هي النجفُ الأشرف لمن لا يعرفُ عنها ، المدينة المُقدسّة الحافلة بالإنجازات الدينية والأدبية تحمل القيم النبيلة المتحركة في كلّ العصور ولن تسمح ابدًا بدخول المفاهيم المنحرفة والعادات الدخيلة الخارجة عن ضوابط الدين ، ومن حقّ النجف الأشرف وحوزتها ومجتمعها طرد كلّ انتماء وعاداتٍ تصنعُ جيلًا منحرفًا يُخرجُ الاجيال عن انتمائها الايماني والسلوكي والعقائدي ، ما سكنها وعاش فيها أحد إلا واحتفظ بحُبٍّ عميق لها في عقله وروحه ولا ألومُ أيضًا كلّ مَن يتعصّب ويُغالي عُشقًا لها ولمجالسها ولأميرها العظيم الامام عليّ بن ابي طالب عليه السلام حيثُ صدق الشاعر:
ولا ألومُ الذي غالى بحيدرةٍ
لكننّي لستُ مِن أهلِ المُغالاتِ

الحلقة السابعة / شذرات عبقة من رحلة الغرباء
مازن السهلاني / اميركا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *