![]()
النجف الأشرف
في ذاكرة الشيخ مازن السهلاني
الحلقة السادسة
لولاكَ ما رفع الإسلامُ رايتَهُ
خفّاقةً في الدنا من فوق راياتِ
ضاعتْ حقوقُك في عصرٍ بهِ ألفوا
أن يسجدوا فيه للعزّى ولّلاتِ
تضمُّ مدينة النجف الأشرف مساجد وحسينيات ومؤسسّات دينية وثقافية واجتماعية كثيرة إضافة إلى المدارس العلمية المنتشرة في أرجائها يسكنها طلبة علم من جنسيّات متعددة وفدوا اليها من بقاع مختلفة ، كانت المساجد والحسينيات تمتلأ في أوقات الصلاة وتزدحمُ اكثر وأكثر في إحياء المناسبات الدينية ، ولا زالت ذاكرتي تحتفظ بالكثير عن هذه المجالس وروعتها ، منها مجالس شهر رمضان المبارك في جامع الشيخ الطوسي بعد الإفطار مباشرةً ، حيث كان يُحاضر هناك الخطيب البارع الشيخ مُحمّد حسين سيبويه رحمهُ الله وكان المسجد يزدحمُ ازدحامًا شديدًا والناس ما بين جالس في قاعة المسجد وصحن المسجد وما بين واقف خارج المسجد و صاعد على سطح المسجد حتى اني أتذكّر كان القائمون على المجلس يطلبون من الشيخ ان يعمل قيام ويطلب من الحضور الكريم الزحف نحو المنبر والشيخ بين لحظة وأخرى يطلب قيام الناس بقوله (اللهمّ عجلّ لوليّك الفرج) حتى انّهُ تَعِبَ من ذلكْ فتبسّمَ وقال يا إخواني (نحتاجُ إلى مُعجزة لإستيعاب كلّ الناس في المسجد وليست عندي هذه المُعجزة)!! نعمْ كانَ فذًّا في عطاءه وثقيلًا في علمه واخلاقه وقد سمعتُ من أحد العلماء انّ المرجع الراحل آية الله السيد محمد تقي بحر العلوم قُدسّ سرّه قال لهُ (يا شيخ سيبويه أنتَ الشيخ الذي يُحيي الشيخ) أي بمعنى أنّك الشيخ الذي يحيي مسجد الشيخ الطوسي. كانت محاضراتهُ مدرسة ثمينة وعظيمة في التفسير القرآني والتربية والعقائد الإسلامية ترى الفضلاء والشباب النجفي يتوافدون عليها يحملون معهم الاوراق ويكتبون من فيض علومه وأحاديثه يرتشفون من هذا النمير العذب و يطالبون الشيخ عدم إنهاء محاضرته لارتشاف المزيد والمزيد ، وحقًّا خَسرَتهُ النجف الأشرف عندما أبعدهُ النظام البائد في أواخر السبعينات حيث استقرّ في مدينة مشهد المقدسّة حتى وفاته رحمه الله وأسسّ لهُ هناك دارًا خيريه واصل فيها محاضراته الفقهية و التربويّة ونشاطه الاجتماعي وقد نَعتهُ المرجعيات الدينية والحوزات العلمية يوم وفاته واُقيمت لهُ مجالس العزاء والتأبين وانّهُ يستحّق هذا التأبين لانّهُ غذّى الاجيال بتراث مدرسة أهل البيت عليهم السلام فأجيال يتأسّسُ وعيها وتبنى ثقافتها بصورة سليمة أجيال لا تذوب في مجتمعات الأكثرية ولا تتلاشى في خضمها الجارف!
كُنتُ ارى الكثير من البيوتات الشيعية من بغداد وغيرها تتوافد على النجف الأشرف اسبوعيًّا لزيارة المرقد الطاهر للامام أمير المؤمنين عليه السلام والحضور في مجالس العلم والعلماء منها اُسرة المرحوم الحاج رضا علوان رحمهُ الله وهي من الاُسَر المعروفة في بغداد بولائها لأهل البيت عليهم السلام حيث كان أفراد هذه الاسرة دائمّي الحضور في مجالس السادة ال الحكيم والسادة ال بحر العلوم، برز منهم الوجيه الحاج كمال رضا علوان حيثُ لمعَ نجمه كنموذج من نماذج النشاط الديني والاجتماعي، جمعتني معهُ لقاءات متعددة خارج العراق ما بين سوريا ولبنان ولندن وأمريكا وقد كنّا سويةً في رحلة طيران من بيروت إلى النجف الأشرف مع ولدَيَّ زيد و مُحمّد على متن الخطوط الجوية العراقية عام ٢٠١٣ وعند عودتنا إلى بيروت دعانا الحاج كمال على وجبة عشاء في شقتّه العامرة في (الرملة البيضاء) حدثنّا عن الكثير من نشاطاته الاجتماعية و الدينية أبرزها عضويتّهُ في تأسيس رابطة اهل البيت العالمية في لندن وأطلعْنا على كُتيّب صغير ألفّه بإسمْ “خواطر” يتحدث فيه عن تجاربه وعلاقاته بوالديه وانّ سرّ التوفيق والنجاح في هذه الحياة هو رضا الله تعالى ورضا الوالدين اللذان جعلهما الله الثقل الموازي لعبادته (وقضى ربُّكَ الّا تعبدوا الّا إيّاه وبالوالدينِ إحسانا) ولمواقفه الطيبّه وحُبّه لمجالس العلم والعلماء مَدحهُ الجد الراحل الشيخ مُحمّد جواد السهلاني والذي افتتح دائمًا هذه الحلقات بأبيات شعريه من قصيدته التائية العصماء في مدح الامام أمير المؤمنين عليه السلام مدح الحاج كمال بأبياتٍ شعريه لم أحفظ منها إلا بيتًا واحدًا:
أكمالْ قد حزتَ الكمالَ بأسرهِ
وحبيتَ اخلاق العباقرة الاُوْوَل
كُنتُ عندما اذهب للمدرسة (ثانوية الخورنق) او المسجد الهندي امرُّ على صحن الامام امير المؤمنين عليه السلام لأسلّم على ذاته المقدسّة ادخلُ من باب الطوسي واخرجُ مرةً من باب الساعة ومرةً اخرى من باب القبلة كنت ارى الخطباء يتناوبون على المنبر في الصحن العلوي الشريف لقراءة مجلس التعزية اليومي رغم موجة القمع التي شنّها النظام الجائر على تهديم المدرسة الحسينية بل تهديم الحوزة العلمية ، اتذكّر من هولاء الخطباء النجباء الخطيب التقي المفوّه السيد جابر ابو الريحة الذي كان ملازمًا للعلامة الراحل آية الله السيد محمد جمال الهاشمي رحمهُ الله صاحب القصيدة الرائية العصماء في مدح السيدة فاطمة الزهراء سلامُ الله عليها ومطلعها:
شعّت فلا الشمسُ تحكيها ولا القمرُ
زهراء من نورها الأكوانُ تزدهرُ
ومجموعة من الخطباء سنتحدثُ عنهم في حلقات قادمة ان شاء الله رعايةً لحقّهم وتعظيمًا لجهادهم المقدّس!
الحلقة السادسة / شذرات عبقة من رحلة الغرباء
مازن السهلاني – أميركا
