Loading

النجفُ الأشرف
في ذاكرة الشيخ مازن السهلاني / الحلقة الخامسة
ذكراكَ تبقى إلى ما لا نهاياتِ
وذِكرُ غيرِكَ يفنى بعدَ ساعاتِ

سكنتُ النجف الأشرف في محلة العمارة وعُرِفَتْ المحلّة بهذا الاسم لأسباب متعددة منها أنّها عامرة بتوافد المؤمنين وإقامتهم فيها حيث يسكنها أكثر المراجع واكثر أهل العلم والفضل وفيها الكثير من المدارس الدينية كدار الحكمة ومدرسة القّوام ومدرسة البهبهاني ومدرسة اليزدي كما كان فيها كيليدارية الحضرة العلوية الطاهرة التي كان يشرفُ عليها السادة ال الرفيعي، كما تحتوي على العديد من المؤسسّات الدينية كالحسينية الشوشترية ومسجديْ الجواهري وكاشف الغطاء ولعلّ الحُسينية الشوشترية هي أول حسينية شُيدّت في النجف الأشرف وكان رادودها المعروف مُلة عبد المحمد الخطيب رحمه الله. كما تميزّت محلّة العمارة بمناطق متعددة منها (الثلمة ، صافي صفا ، قُبة الصفا ، الدرعية ، وقباب الزرق وهي قباب ترتفع فوق مقابر بعض العلماء الأعلام لها فرع من شارع زين العابدين ملاصق لمحلّة المشراق) والحديث عن هذه المحلّة العريقة المباركة اتركهُ لكتّاب التراث والتاريخ فهم أعرفُ بمجدِ وعظمة هذه المحلّة وبيوتها وتراثها الخالد.
كُنتُ ارى عند شروق الشمس تزاحم طلبة العلوم الدينية في طريقهم لمسجد الهندي او لمساجد اخرى تُطرح فيها الدروس الحوزوية كجامع الطوسي او جامع الخضراء او جامع التُرك بالرغم أنّ مكان الدرس غير محدّد فربما يكون اللقاء في بيت الأستاذ نفسه ، ترى الطلاب يجلسون على الأرض متحلقينّ ومحيطين بالاستاذ فإذا سألتَ أحد هؤلاء الطلبة (سيدنّا ، شيخنا) جنابُكَ إلى اين ذاهب فيُجيبُك إنّهُ ذاهب الى (الدرس) فكنتُ اتساءل مع نفسي لماذا يقولون إلى الدرس ولم يقولوا إلى المحاضرة كما يفعل طلبة الجامعات عندما تسأل احدهم وهو في طريقه إلى الجامعة يقولُ لجنابكم أنا ذاهب للمحاضرة او عندي محاضرات في الجامعة .. حتى عرفت فيما بعدْ من خلال دراستي أنّ اُستاذ الجامعة يأتي إلى قاعة المحاضرات ويُعطي المحاضرة ولا يهمّه كثيرًا هل فهمَ الطلبة المحاضرة ام لا ولا يهمّهُ بالكثير ان كان احد الطلبة منتبهًا للمحاضرة ام لا ؟؟ أمّا الأسلوب الحوزوي يختلفُ تمامًا فالأستاذ يجلس مُحاطًا بطلبتهِ يقرأ عليهم فَقَرة وعبارة واحدة من الكتاب ويقومُ بشرحها شرحًا تفصيليًّا دقيقًا ويُعيدُ الشرح عدّة مرّات ثم يسألهُم هل الشرح واضح لكُم وربّما يكون هناك نقاش وآراء متعددة على هذه العبارة فاذا فهمَ الطلبة هذه الفقرة والعبارة بعدَ ان يتأكد الاستاذ من ذلك فانه ينتقل إلى الفقرة الثانية ، ينتقل وهو مطمئن بأنّ طلبته فهموا واستوعبوا العبارة السابقة استيعابًا جيدًّا ، هذا التكرار للشرح والاطمئنان الكامل بفهم العبارة فهمًا صحيحًا هو ما يُطلق عليه ب (الدرس) وهذا المعنى أكدّهُ القرآن الكريم عندما تحدثَّ عن قوم النبّي موسى عليه السلام واستيعابهم الدقيق وفهمهم الواسع لكتاب التوراة عندما قال في سورة الأعراف الاية ١٦٩ (ودرسوا ما فيه) اي استوعبوا وفهموا التوراة فهمًا رائعًا لكنهُّم لسوءِ حظّهم لم يلتزموا بها ولم يلتزموا بالواجبات والمحرمّات فلم تنفعهُم دراستهم وحفظهم للتوراة ، نسأل الله تعالى جميعًا أن يمُنَّ علينا بحُسن العاقبة ، وهذا المعنى جعلني أذكرُ موقفًا لاُستاذي الراحل الشيخ علي قبلة رحمهُ الله الذي أعدمهُ النظام البعثي الجائر مع العديد من اهل العلم والفضل في بداية الثمانيات حيثُ كنتُ ادرسُ عندهُ الفقه في عام ١٩٧٨ – كتاب شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام أحد المتون الفقهية المهمّة – مع بعض طلبة العلم وحددّ لنا سماحة الشيخ يومًا للامتحان فلمّا جئنا للامتحان قال لنا جناب الشيخ هذه الاسئلة تأخذوها معكم إلى البيت إقرأوا المادة جيدًا ثم اغلقوا الكتاب وافتحوا الاسئلة وأجيبوا عليها وتأتوني بأجوبتكم غدًا ، وفي اليوم الثاني جئنا ومعنا الأجوبة فسأله احد الطلبة ايّها الاستاذ الفاضل لماذا أعطيتنا الاسئلة لحلّها في البيت؟ نحنُ نشكركَ على ثقتكَ العالية بنا لكن ألا تعتقد بامكاننا الغش في الامتحان؟؟ فتبسّم الشيخ رحمهُ الله وقال لنا : إخوتي وأعزائي ليس المُهم الحصول على الدرجة في الامتحان ولكن المُهم ان تعلموا أولًا: أنّ الدراسة الحوزوية هي عُشق وحُب لمبادئ الله ونبيّه المصطفى والأئمة الأطهار لصياغة الإنسان صياغة إيمانية صحيحة ولتقوية الطالب ثقته بنفسه.
وثانيًا: أنّ الدراسة الحوزوية هي تربية على اتبّاع طُرق الحلال والابتعاد عن الحرام .. هذا يا أعزائي هو مفهوم الدرسْ في الحوزات العلمية وهذا هو سببُ انتماءكم للحوزة العلمية وحضوركم هنا! نعمْ وللهِ دَرُكّ يا أبا الحسن يا أميرَ المؤمنين وأنتَ القائل (أوضعُ العلمْ ما وقفَ على اللسان وأرفعهُ ما ظهرَ على الجوارحِ والأركان) للهِّ درُكِّ أيتهُّا النجف العظيمة وعلى الله أجرُكِ ما أعظمكِ وأعظم حوزوتك الفاضلة ومجالسكِ المقدسّة!

الحلقة الخامسة / شذرات عبقة من رحلة الغرباء
مازن السهلاني – أميركا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *