الشيخ مازن السهلاني

Loading

النجف الأشرف
في ذاكرة الشيخ مازن السهلاني
الحلقة الرابعة

ذكراك عطّرتْ الدنيا بأجمعها
فشعَّ من ذكرها نورُ الهداياتِ
ما إن ذُكِرتَ ففيكَ العدلَ نذكرهُ
يا قاضيَ العدل في كُلِّ الخلافاتِ

مشهدُ الامام عليّ بن ابي طالب عليه السلام محور الحياة في النجف الأشرف و سرُّ وجودها والواجهة الرئيسية لها تتوافدُ عليه جموع غفيرة من الزائرين ومن مُختلف أنحاء العالم يضيق بهم الصحن الشريف والضريح المقدس في أغلب الأوقات ، تُعتبر النجف الأشرف مركز المرجعية الشيعية لشيعة العالم وتحتضن في أزقتّها الضيقة العديد من المدارس الصغيرة والكبيرة المخصصة لطلبة العلوم الدينية حتى انّ بعض هذه الأزقة الضيقة تمّ بناءها بصورة مُعقّدة بحيث لا تصلها اشعة الشمس الا لمامًا ففي هذه المدينة المقدسّة كافح علماء الحوزة العلمية كفاحًا عظيمًا بكلِّ قوةٍ وتقى وصبروا على الفقر والألم والظلم مجاهدين في سبيل العلم والدين – كما تميزّت الحوزة العلمية ومجتمعها العلمي الضخم أنّها لم تكن بعيدة أبدًا عن التحولات التي تجري في العالم حيث كان لعلماء النجف دور مشهود وبارز في صناعة احداث كبرى او توجيهها.
كان بيتُنا يقع في محلة العمارة القريب من شارع السور وكان يُقابلهُ دار الشيخ علي كاشف الغطاء رحمهُ الله وديوانه ومدرسته وبالقرب منّا دار السيد علاء الدين بحر العلوم رحمهُ الله وبيوتات متعددة اذكر منها بيوت المَلْك وحسوة والجباري والخافوري وسميسم وعَبادَة والدخيلي ونصّار والجواهري والسفير وابو اللبن وصحين وال رمضان والجنابي والعبايچي وأبو طبيخ والكفنويز وزين الدين وغيرهم من البيوت النجفية الطيبّة ، تسارعت الايام حيثُ كنتُ ادرس كتاب “متن الاجرومية” على يد الشيخ علي قبلة رحمه الله والفقه على يد العَلمين السيد عبد الصاحب نجل السيد عباس الحكيم والشيخ عباس المطراوي رحمهم الله ، ثم بدأتُ بدراسة كتاب قطر الندى على يد السيد رياض الحكيم نجل المرجع الراحل اية الله السيد محمد سعيد الحكيم رحمه الله ، كنت اذهب الى مسجد الهندي الواقع في محلة الحويش وهو مركز الدراسة الحوزوية للانضمام إلى تلاميذه حيث يزدحم المسجد بحلقات الدرس والتحصيل العلمي، فترى طلبة العلوم الدينية من أكثر محافظات العراق ومن دول شتّى رغم التضييق والمعاناة وتسفير العديد من الإيرانيين والأفغانيين من قبل النظام البعثي البائد إلا أنها كانت ايام ما أجملها وأعظمها من أيام – حيثُ لا يخلو المسجد في اي وقت اذهب اليه من حضور السادة ال الحكيم آل الفقهاهة والشهادة وكنت اسمع أصواتَ العلماء وهي تتعالى وتصدح بذكر الآخوند الخراساني والنائيني وصاحب الجواهر رحمهُم الله لكن الأكثر كنتُ أسمع عن الشيخ الأنصاري رحمه الله صاحب كتاب الرسائل وهو من أشهر المُصنفّات الأصولية في الوسط الحوزوي حيث اصبح هذا الكتاب في رأس قائمة المتون الأصولية المعتمدة في دراسة السطوح العالية يعتمد عليه العلماء كمنطلق لأبحاثهم الأصولية ، كنتُ ارى عند دخولي إلى مسجد الهندي من طرف سوق الحويش وعلى اليسار غرفة كبيرة يجلسُ في صدرها المرجع الراحل والفقيه الرباني الكبير اية الله السيد محمد سعيد الحكيم رحمهُ الله حيث يقوم بتدريس البحث الخارج لنخبة من الأعلام والفضلاء كان بحثهُ في الفقه كما سمعتُ على كتابيّْ مكاسب الشيخ الأنصاري والفقه الاستدلالي الموسّع على كتاب (منهاج الصالحين) للمرجع الكبير الراحل اية الله العظمى السيد محسن الحكيم قُدسّ سرُّه ، وقد تخرج على يديه نخبة من الأعلام وهم اليوم من أعيان الأساتذة في الحوزات العلمية في حواضرها العلمية النجف وقم وغيرها. ومن المشاهد التي تحتفظُ بها ذاكرتي عن عبقرية وعلميّة آية الله السيد محمد سعيد الحكيم المرجع الجليل والفقيه الكبير لمّا ذهب عمّيّ الشيخ الفاضل فاضل السهلاني إلى دولة مصر وسجلّ بحثه الفقهي عن قاعدة اليد في جامعة عين شمس – القاهرة للحصول على شهادة الماجستير عاد بعدها إلى النجف لإكمال بحثه ، جاءنا احد الايام سماحة الاخ الجليل السيد محمد صالح الحكيم الشقيق الأصغر للمرجع السيد محمد سعيد الحكيم يحمل كتابًا في يده قدمّه للشيخ الفاضل قائلًا هذه رسالة مخطوطة لأخي سماحة السيد محمد سعيد الحكيم عن قاعدة اليد يمكنك الاطلاع عليها والاستفادة من متونها ، يقولُ الشيخ الفاضل عندما أطلعتُ أساتذة الجامعة في مصر على مبانيها ومتونها طأطأوا برؤسهم على غزارة هذه الأبحاث والتبحّر فيها وقيمها الثمينة. نعم درستُ في ذلك المسجد العظيم الذي خرجّ فطاحل العلماء والفضلاء والخطباء بالإضافة إلى دراستي الاكاديمية في ثانوية الخورنق كما درستُ أيضًا شيئًا من النحو على يد عمّي الشيخ فاضل السهلاني وهو اليوم المرشد الديني لمؤسسة السيد الخوئي في مدينة نيويورك والممثل العام لآية الله السيد علي السيستاني دام ظله الوارف في القارة الأمريكية. كنتُ أرى ممّن عاصرتهم من طلبة العلم في النجف الأشرف رقيب على نفسه نتيجة الاهتمام بالإبداع والمعرفة بثمرة العلم ونتائجه المحمودة أراهُ يختلطُ بالكثير من الناس ليس لأنّ وضعهُ الاجتماعي يتطلّبُ ذلك بل هي النجف الأشرف عظمتهُا ومجالسُها وأنديتهُا تفرضُ التعايش والتعارف مع الآخر فأصبحت مَلكَة في قلوب المؤمنين والمؤمنات بإحترام حامليّ العلم الديني ومُطبقيّ احكامه.
يقول النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) “مَنْ استقبلَ العلماء فقد استقبلَني ومَنْ زار العلماء فقد زارني ومَن جالسَ العلماء فقد جالسني ومَنْ جالسني فكأنما جالسَ ربِّي”

الحلقة الرابعة / شذرات عبقة من رحلة الغُرباء
مازن السهلاني – أميركا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *