![]()
الشفاعة في ضوء القرآن وروايات أهل البيت عليهم السلام.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي وسعت رحمته كل شيء، وجعل لأوليائه مقام الشفاعة والوسيلة إليه، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، سيد الشافعين، وخاتم النبيين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، الهداة المهديين، صلوات الله عليهم أجمعين.
أيها الإخوة المؤمنون،
حديثنا اليوم عن الشفاعة، تلك الرحمة الإلهية التي أكرم الله بها نبيه محمداً (ص) وأهل بيته الأطهار عليهم السلام، لتكون بابًا للأمل للمذنبين المؤمنين، وبشرى للذين لم ييأسوا من رحمة الله.
أولاً: معنى الشفاعة وأقسامها
الشفاعة في معناها هي التوسط للغير لجلب نفع أو دفع ضرٍّ، وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.
والشفاعة يوم القيامة تنقسم إلى قسمين:
1. شفاعة مثبتة: وهي التي تثبت بشروطها لمن أذن الله له أن يشفع، ورضي عن المشفوع له.
2. وشفاعة منفية: وهي الشفاعة التي تُطلب من غير الله، أو بغير إذنه ورضاه.
والشفاعة المثبتة ثابتة للنبي محمد (ص) وأهل بيته عليهم السلام، وهي ليست استقلالية عن الله، بل بإذن الله تعالى وحده.
ثانياً: أدلة الشفاعة من القرآن الكريم
قال الله تعالى:
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾
(البقرة: 255)
وقال سبحانه:
﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾
(سبأ: 23)
وقال جل وعلا:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾
(النساء: 64)
🔹 وهذه الآية مطلقة، لم تُقيَّد بزمان حياة النبي (ص) بل تشمل حياته وبعد وفاته، لأن الخطاب عامٌّ في القدرة على الاستغفار والشفاعة بإذن الله.
فالمعنى:
• (جاؤوك) أي قصدوا الرسول (ص).
-(فاستغفروا الله) عنده.
-(واستغفر لهم الرسول) أي شفع لهم عند ربهم.
-(لوجدوا الله توابًا رحيمًا).
فالشفاعة ثابتة بإذن الله، ولمن أذن الله لهم بالشفاعة وأذن أن يُشفع لهم.
وقال تعالى أيضًا:
﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾
(طه: 109)
ثالثاً: شروط نيل الشفاعة
قال الله تعالى:
﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾
(الأنبياء: 28)
أي أن الشفاعة لا تكون إلا لمن رضي الله عنه، ممن ثبت على الإيمان ولم ينقض العهد مع الله وأوليائه.
قال الإمام الصادق عليه السلام:
(لا تنال شفاعتنا من استخفّ بالصلاة.)
(الكافي، ج 3، ص 270)
وقال عليه السلام أيضًا:
(إنما شفاعتنا لأهل الذنوب من شيعتنا الذين لم يخرجوا من الولاية.)
(بحار الأنوار، ج 8، ص 50)
فالشفاعة ليست ترخيصًا للذنوب، بل رجاءٌ للمؤمنين المقصرين الذين حفظوا إيمانهم وولايتهم لأهل البيت عليهم السلام.
رابعاً: شفاعة النبي وأهل البيت عليهم السلام
قال رسول الله (ص):
«حياتي خيرٌ لكم ومماتي خيرٌ لكم، تُعرض عليَّ أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله، وما رأيت من شر استغفرت لكم.»
(الكافي للكليني، ج 1، ص 219)
وقال أيضًا:
«شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، وأهل بيتي يشفعون في شيعتهم.»
(بحار الأنوار، ج 8، ص 36)
وقال أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة:
«اعملوا وأنتم في فسحةٍ من العمل، يُنادى غداً بالشفاعة، فيقوم محمد ص) وأهل بيته فيُشفعون.»
فالشفاعة الكبرى بيد النبي (ص)وأهل بيته الأطهار، بإذن الله، وهم يشفعون لمن ثبت على الإيمان والولاية.
خامساً: هل يسمع النبي والأئمة دعاءنا بعد وفاتهم؟
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾
(آل عمران: 169)
-يستدل علماء الشيعة بأن الشهداء أحياءٌ عند الله، يسمعون الخطاب ويدركون من يخاطبهم.
فإذا كانت هذه الحياة ثابتة للشهداء، فكيف بالأنبياء والأئمة الذين هم أفضل الخلق؟
إذن فحياتهم البرزخية أكمل وأتم، وهم يسمعون الدعاء والسلام.
روايات الأئمة عليهم السلام في هذا الباب:
1. قال الإمام الصادق عليه السلام:
«ما من أحدٍ يسلّم على النبي ﷺ وعلى الأئمة عليهم السلام إلا ويردّون عليه السلام، ويعرفونه باسمه واسم أبيه.»
(الكافي، ج 4، ص 567)
2. وقال الإمام الرضا عليه السلام:
«إنّا معاشر الأئمة نسمع الكلام ونردّ الجواب، ولو كنا كما تقولون لصرنا كسائر الناس.»
(عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 257)
3. وقال الإمام الباقر عليه السلام:
«تعرض أعمال العباد على النبي ﷺ كل خميس، فاحذروا أن تُعرض عليه أعمالكم وأنتم على معصية.»
(الكافي، ج 1، ص 219)
وعن الإمام الصادق عليه السلام أيضًا:
«إذا زرتَ قبر الإمام، فاعلم أنه يسمع كلامك ويردّ عليك جوابك.»
(كامل الزيارات، ص 182)
-خلاصة العقيدة
• الشفاعة حقّ ثابت بإذن الله.
• وهي للنبي ﷺ وأهل بيته عليهم السلام.
• لا تكون إلا لمن رضي الله عنه وثبت على الإيمان والولاية.
• والأئمة يسمعون سلام المؤمنين ودعاءهم بإذن الله، لأنهم أحياء عند ربهم.
• الشفاعة رحمة إلهية لا تنافي التوحيد، لأنها بإذن الله وحده لا باستقلال أحدٍ سواه.
عباد الله،
الشفاعة باب رحمةٍ من الله لعباده المؤمنين، وهي رجاءٌ عظيم لمن أحبّ محمداً وآل محمد وسار على نهجهم.
فلنُكثر من الأعمال الصالحة، ولنحافظ على الصلاة والولاية، ولنُكثر من الصلاة على النبي وآله، حتى نكون من المشمولين بشفاعتهم يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.
اللهم اجعلنا من المرحومين بشفاعة نبيك وآله، ولا تحرمنا شفاعتهم يوم نلقاك.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولجميع المؤمنين والمؤمنات، برحمتك يا أرحم الراحمين.
السيد مصطفى مرتضى .
