![]()
الحياد الواعي في زمن الفتنة
«كن في الفتنة كابن اللبون: لا ظهر فيُركب، و لا ضرع فيُحلب»
محمد جواد الدمستاني
أولى الحكم من حيث الترتيب في نهج البلاغة فيما اختاره الشريف الرضي من كلام أمير المؤمنين عليه السلام توجيه إلى تجنّب الفتن و الصراعات الباطلة و النظر إليها بحذر و حيطة، قال (ع): «كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ، لَا ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ، وَ لَا ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ».
و قد وردت في كتاب تمام نهج البلاغة من ضمن وصية الإمام (ع) لولده الإمام الحسن (ع) التي كتبها بحاضرين عند انصرافه من صفين و فيها قال (ع): «فَكُنْ فِي الْفِتْنَةِ عِنْدَ ذَلِكَ، يَا بُنَيَّ كَابْنِ اللَّبُونِ لَا ظَهْرٌ فَيُرْكَبُ، وَ لَا ضَرْعٌ فَيُحْلَبُ، وَ لَا وَبَرٌ فَيُسْلَبُ»، و هي الوصية التي ذكرها الشريف الرضي في نهج البلاغة و أولها «من الوالد الفان المقر للزمان» و هي طويلة، و كان الرضي يختار من خطب و كلام أمير المؤمنين (ع) بعضه، فلم تشملها هذه الحكمة و إنما وضعها في باب الحكم و ابتدأ بها.
و ابن اللبون هو ولد الناقة إذا استكمل السنة الثانية و دخل في الثالثة حيث وضعت أمه ولدا غيره فصارت ذات لبن، و في هذا السن لا يكون قد قوى ظهره و جسمه للركوب أو حمل الأشياء، «لَا ظَهْرٌ فَيُرْكَبُ»، و ليس هو أنثى ذات ضرع فيُحلب «وَ لَا ضَرْعٌ فَيُحْلَبُ»، و الضَرع هو مدر اللبن من الشاة و البقر و هو كالثدي للمرأة، فلا ينتفع من ابن اللبون هذا لا للركوب و لا للحلب.
و الفتنة تأتي بمعنى الامتحان و الابتلاء، و بمعنى الشر و الفساد، و الاضطراب و الاقتتال، و تطلق على الحروب الداخلية و الاضطرابات الاجتماعية والسياسية، و الصراعات في زعامة و سلطة و نفوذ، أو دينية، و بها حيثية تشابه و اختلاط الأمور و عدم وضوح الرؤية و التشخيص الدقيق، فالفتنة مفهوم واسع و يمكن اعتبارها في كل ما يُضل و يغري و يغوي الإنسان فردا كان أو جماعة و يجره إلى مواقع الباطل، و منها فتنة الحكام و الكبراء الفاسدين و قد حذر أمير المؤمنين (ع) من ذلك في إحدى خطبه، قال: «أَلَا فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ طَاعَةِ سَادَاتِكُمْ وَ كُبَرَائِكُمْ،الَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ وَ تَرَفَّعُوا فَوْقَ نَسَبِهِمْ وَ أَلْقَوُا الْهَجِينَةَ عَلَى رَبِّهِمْ، وَ جَاحَدُوا اللَّهَ عَلَى مَا صَنَعَ بِهِمْ مُكَابَرَةً لِقَضَائِهِ وَ مُغَالَبَةً لِآلَائِهِ، فَإِنَّهُمْ قَوَاعِدُ أَسَاسِ الْعَصَبِيَّةِ وَ دَعَائِمُ أَرْكَانِ الْفِتْنَةِ وَ سُيُوفُ اعْتِزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ».
و قد أمر عليه السلام أن يكون الإنسان حذرا في زمن الفتنة و ألا يشترك فيها، و ليتشبّه بابن اللبون فلا يُحلب بما عنده من أموال يبذلها كوقود للفتنة و يُستنزف بأمواله أو جهوده أو مكانته لأجلهم، و لا يُركب بما عنده من جاه أو منزلة فيستغله أصحابالفتنة و صنّاعها ليكون مدارا لهم في فتنتهم، و يستثمرونه لمآربهم.
و المراد الحذر من أن تكون موضع استغلال و انتهاز من أحد أطراف الصراع، و ألا يكون لك دور سلبي يستغله أحدهم في الفتنة، فلا ينتفع بك و لا بمالك و لا جاهك و لا متعلقاتك أحد فيها، و لا يستخدمك كأداة حرب أو قهر أو خدمة للباطل و الفساد فيركبوك، و لا تسمح لأحد أن يستنزفك و ينتفع بك ماديا أو سياسيا أو اجتماعيا فيحلبوك.
و ما يجب فعله هو الاعتزال عن الفتنة و عدم المشاركة فيها و عدم الانحياز لأحد أطرافها، فلا تنتصر للظالمين، و لا تبيع نفسك لأصحاب المصالح، و أن تنتبه لعدم استغلالك و استعمالك وقودا للفتنة، حيث يتم استغلال البسطاء و الغافلين و المتحمسين ليضحّى بهم في الفتن، فإنّ للفتنة رأسا أو رؤوسا و هم صنّاعها فهم يشعلونها سعيا لمآربهم من نفوذ و سلطة و مال و جاه، و لها وقود و هم ضحاياها من عامة النّاس ممن ينساق إليها جهلا أو غفلة أو طمعا.
و أن تمتلك البصيرة و الوعي الكافي في الموقف من الفتنة و أطراف الصراع فعدم الانحياز لأحدهم هو موقف ديني و أخلاقي و ليس تخاذلا أو جبنا.
و هذه الحكمة متعددة الأوجه و التطبيقات ففي الجهة السياسية لا يكون الإنسان ضحية للمتصارعين و المتسابقين إلى السلطة و السلطنة، و الجهة الاجتماعية لا يكون مقامه و منزلته خدمة لأحد الأطراف دون حق، و هي أيضا في الجهة الإعلامية بأن يكون الإنسان شريفا نزيها فلا يُستغل ظهوره و صوته و قلمه لنصرة أهل الباطل يسوّق نظرتهم و يطبّل لمرادهم، إلى غيرها من الجهات و في كلها يلزم الحفاظ على الموقف الحق بعدم الدخول في الفتنة بمناصرة أحد أطرافها بأيّ أشكال الدعم من المالية و الفكرية و العسكرية و غيرها.
النزاعات و الصراعات و الحروب تكون بين طرفين أو أكثر، فإما أن يكون:
أحدهما على حق فيكون الآخر على باطل مثل حروب رسول الله (ص) و حروب أمير المؤمنين (ع) في الجمل و صفين و النهروان، و هذه لا يُطلق عليها فتنة ينبغي اجتنابها، بل يجب مناصرة جبهة الحق و أصحاب الحق و الجهاد معه و الانحياز له، و لا يجوز البقاء على الحياد و قد ذم عليه السلام الذين اعتزلوا القتال معه بقوله: «خَذَلُوا الْحَقَّ، وَ لَمْ يَنْصُرُوا الْبَاطِلَ»، فهذه جبهة الحق و مخالفوها أهل الباطل، فالجبهة و الجهة التي تحارب أمير المؤمنين (ع) هي الفتنة، أما من يعتبر حروب أمير المؤمنين فتنة فإنّه لا يميّز بين الحق و الباطل، أو يميّز و تغلب عليه مطامعه و مصالحه، أو لفساد دينه.
فلا يتوهم أحد أنّ الحياد هو الحل الشرعي الصحيح أو يظن أنّ التقاعس و التقاعد عن الجهاد و التخلي عن نصرة الحق هو طريق نجاة، و يبرر ذلك بتجنّب الفتنة كما فعل بعض معاصري أمير المؤمنين (ع) فإنّ «عَلِيٌّ مَعَ اَلْحَقِّ وَ اَلْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ»، كما روي عن رسول الله (ص)، بل على الإنسان التمييز بين الجهاد الحقيقي و الفتنة.
أو تكون بين طرفين باطلين، فهذه يجب الاجتناب عنها و عدم مناصرتها أو المشاركة فيها أو التعاون معها، و هذه هي الفتنة، و في التاريخ جرت حروب كثيرة بين أطراف الباطل و منها الحرب بين ابن الزبير و عبد الملك بن مروان، و بين الحجاج و ابن الأشعث.
هذه الحكمة العظيمة يجب أن تكون حاضرة في عقول الناس عامة و خاصة علماء الدين و طلبة العلوم في عدم مناصرة أطراف الباطل و دعاة الفتن، و الحذر كل الحذر من أن يُستغلوا في تحقيق نفوذ و مآرب أطراف الفتن، و كذلك العاملين في المجال الإعلامي الذين يوقدون نيران الفتن مقابل دريهمات معدودة يكتسبونها من مشغليهم و نتيجتها أحقاد و دماء تسفك.
و في الحكمة تحذير لأصحاب الطمع و الجشع الذين يقتاتون على الفتن و يرون فيها فرصة للتكسب ماليا أو سياسيا أو اجتماعيا أو غيرها، و هي متاجرة خاسرة شرعا و عمليا، فالإنسان الحر لا يتاجر بالصراعات و لا يسترزق من آلام الناس و معاناتهم.
و تعتبر توجيه و إرشاد ثاقب في إدارة الأزمات و الصراعات على مستوى الدول و الأفراد، و لو أنّ الناس قد عملوا بها لخفّت نيران الفتن و انخمدت.
كما تدعو الحكمة إلى سيطرة و تحكم الإنسان في مشاعره و مواقفه، و ألا يأخذه الحماس دون حق إلى نصرة الباطل، أو يجره التعصب إلى نصرة الظالمين و الجائرين و أهل الشقاق.
و قد يدّعي الإنسان كذبا و خداعا أنّه يعمل لدرء الفتنة و هو واقع فيها فما يعمله هو الفتنة بعينها و قد قالت الزهراء عليها السلام في الخطبة الفدكية: «بِدَاراً زَعَمْتُمْ خَوْفَ الْفِتْنَةِ (أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ)».
التحذير في نص نهج البلاغة دون السياق قد ينصرف إلى تقاتل مجموعات من أهل الباطل في أزمنة الهرج و المرج، و اضطراب النّاس و فيها قد يختلط المحق من المبطل ففي هذه الحالة يجب تجنّب الصراع و ألا تُستغل فيها بالركوب عليك أو حلبك، أو فكن غير مركوب و غير محلوب.
أما النص في سياقه كما في كتب مستدركات نهج البلاغة و غيرها فهو أقرب إلى الفتن الاجتماعية في الأزمنة الرديئة و المجتمعات الفاسدة، و حينما يحوي المجتمع أجيال فاسدة من صبية و شباب و شيوخ و علماء، و يتميز بالرذائل و سوء الصفات من الفساد و الشر، الرغبة في الجنة بالتمني، الاجتهاد في الدنيا، الخوف الآجل، الرجاء العاجل، الهيبة من اللسان السليط، الكرم برجاء مردوده، دينهم رياء، هجران الحق، حبّ الغشّاش، تعظيم المداهن، سكرة الغفلة، إغراء الدنيا، موت السنن، إحياء البدع، إلى غيرها من الصفات السيئة، حينها «فَكُنْ فِي الْفِتْنَةِ عِنْدَ ذَلِكَ، يَا بُنَيَّ، كَابْنِ اللَّبُونِ، لَا ظَهْرٌ فَيُرْكَبُ، وَ لَا ضَرْعٌ فَيُحْلَبُ، وَلَا وَبَرٌ فَيُسْلَبُ»، فتعاملك مع هذا المجتمع يجب أن يكون بالحذر و ألا تنجرف لطبائعهم، و لا يكون عندك أموال فتستثمر بالباطل و الفساد و الشرور، و لا يكون عندك جاه أو منزلة فيستغل بها و يركب عليها.
و المعنى واحد في الحكمة دون السياق أو معه و الفرق في جهة التطبيق و سعتة ، و هو تحذير: ألا تُركب و ألا تُحلب في مواقع الفتن.
و قد أخبر رسول الله بالفتن بعده فقد رُوى عنه صلّى الله عليه و آله: «لَيَغشَيَنَّ امَّتِي مِن بَعدي فِتَنٌ كَقِطَعِ الليلِ المُظلِمِ، يُصبِحُ الرجُلُ فيها مؤمِناً و يُمسِي كافِراً، و يُمسِي مؤمِناً، و يُصبِحُ كافِراً، يَبيعُ أقوامٌ دِينَهُم بعَرَضٍ مِن الدنيا قَليلٍ».
