السيد مصطفى مرتضىالسيد مصطفى مرتضى

Loading

الإعجاز التربوي في سورة لقمان الحكيم.
الخطبة الإولى .

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على محمدٍ وآله الطاهرين، وعلى من اهتدى بهديهم إلى يوم الدين.

يظنّ كثير من الناس أن الإعجاز في القرآن محصورٌ في البلاغة أو العلم،
لكنّ المتأمل في سورة لقمان يدرك أن فيها نوعًا آخر من الإعجاز،
هو الإعجاز التربوي: أي القدرة الإلهية على عرض منهجٍ متكاملٍ في التربية الإنسانية،
بمعنى عميق، وأسلوب لطيف.

الله سبحانه آتى لقمان الحكمة، أي العقل والعلم والعمل به.
وقد سأله بعض الناس: ألست كنت ترعى معنا؟
فقال: نعم.
قالوا: فمن أين أوتيت الحكمة؟
قال: قدر الله، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني.

لقمان الحكيم أحبَّ الله فأحبَّه، وكان عبدًا كثير التفكر، حسن اليقين،
فمنَّ الله عليه بالحكمة، فشكر الله على ما وهبه وأعطاه من الحكمة،
قال تعالى:

﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [سورة لقمان: 12].

هنا يتضح أن المربي يجب أن يكون حكيماً أولًا، صادقًا في نصحه، هادئًا في توجيهه.
والحكمة تعني: وضع الشيء في موضعه الصحيح قولًا أو فعلًا؛
لينٌ في موضع اللين، وحزمٌ في موضع الحزم،
تزن كلامك وأفعالك قبل الإقدام عليها حتى لا تندم.
وهذا ما فعله لقمان مع ابنه في مواعظه.

-التربية على التوحيد أولًا

أول ما وجّه إليه لقمان ابنه قوله تعالى:

﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة لقمان: 13].

بدأ لقمان الحكيم بأصول الدين – العقيدة – أولًا،
لأن العقيدة هي أساس كل سلوكٍ في حياة الإنسان اليومية.
فالعلاقة بين الأصول والسلوك علاقة وطيدة لا تنفصم.
وكما قال الإمام عليّ (ع):

(أول الدين معرفته).

وهنا يظهر الإعجاز التربوي في تدرّج التعليم:
البدء بالأصول قبل الفروع، لأن الإنسان إذا لم يؤمن بالأصول فلا قيمة للفروع.

ثالثًا: التربية على شكر النعم والاعتراف بالفضل

قال تعالى:

﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ۚ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [سورة لقمان: 12].

من دوافع البحث عن الدين هو شكر المنعم.
من الذي أنعم عليّ بالوجود والنعم التي لا تُحصى؟

﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [سورة النحل: 18].

فالتربية بالشكر تبني في النفس الرضا والتوازن،
وتُعلّم الإنسان ألا يكون جحودًا أو أنانيًا.
وهذا أسلوب تربويّ ربانيّ يربط الشكر بالتزكية النفسية:
فمن شكرَ الله، زاده الله نورًا وبصيرة.

رابعًا: التربية بالبرّ والعاطفة الأسرية

قال تعالى:

﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [سورة لقمان: 14].

لما قدّم الله الأمر بشكر النعمة، وجب الشكر لكل منعم،
فبدأ بالوالدين، أي أمر الإنسان بطاعتهما وشكرهما والإحسان إليهما،
قال تعالى:

﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [سورة لقمان: 14].

فالله تعالى قرن شكرهما بشكره، لأنه الخالق المنشئ وهو أول المنعمين،
وهما السبب في الإنشاء والتربية.

ويقول تعالى:

﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا، وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [سورة لقمان: 15].

أي: لا تطعهما في الشرك، ومع ذلك أحسن إليهما وأرفق بهما في الأمور الدنيوية.

هنا يظهر الإعجاز القرآني في ردّ الجميل والمعاملة الحسنة لمن أحسن إليك،
حتى لو اختلف معك في الدين أو الفكر.
ومن الإعجاز التربوي هنا أن القرآن يربط علاقة الإنسان بربه بعلاقته بوالديه،
فمن جحد إحسان والديه، كان أقرب إلى جحود نعمة الله تعالى.

ويقول رسول الله (ص):

«رضا الله من رضا الوالدين»
(وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج 21، ص 481).

خامسًا: التربية على مراقبة الله والخوف منه

قال تعالى:

﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [سورة لقمان: 16].

أي إنّ الله تعالى يعلم بالأعمال صغيرها وكبيرها، ويحضرها يوم القيامة، ويجازي عليها.

إنها تربية إيمانية تُنشئ في النفس الضمير الحيّ،
فهي لا تقوم على المراقبة الخارجية أو العقاب،
بل على استشعار علم الله واطّلاعه.

وهذا هو أرقى أنواع التربية:
أن يتربّى الإنسان على مراقبة نفسه بنفسه،
ويعلم أن الله تعالى يعلم ويرى

سادسًا: التربية العملية والسلوكية

قال تعالى:

﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [سورة لقمان: 17].

لاحظ التدرّج التربوي البديع:
من العقيدة إلى الشكر إلى الأخلاق إلى السلوك العملي.

ثم ختمها بالصبر، لأن كل مصلحٍ سيُبتلى،
وهكذا علّمه أن الدعوة إلى الخير تحتاج ثباتًا وطول نفسٍ وصبرًا على الأذى.

سابعًا: التربية على التواضع والاعتدال

قال تعالى:

﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [سورة لقمان: 18]
﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ [سورة لقمان: 19].

هنا يتجلّى الإعجاز في تربية الذوق والوجدان والسلوك الاجتماعي:
نهيٌ عن الكِبر، ودعوةٌ إلى التوازن في المشي والكلام،
لأن المسلم الحقيقي وقورٌ في حركته، متزنٌ في منطقه.

وهكذا تُظهر سورة لقمان الحكيم إعجاز القرآن في بناء الإنسان.
فهي لا تكتفي بالأمر والنهي، بل تغرس في القلب الضمير الحيّ،
وتربّي في النفس الحكمة، والشكر، والبرّ، والصبر، والتواضع.

إنها سورةٌ تُعلّمنا أن التربية الحقّة لا تكون بالصرامة ولا بالعاطفة وحدهما،
بل بالحكمة التي وهبها الله لعبده لقمان،
لتبقى مواعظه نبراسًا لكل أبٍ ومربٍّ وطالبِ هدى.

﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [سورة البقرة: 269].

نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الحكمة في القول والعمل،
وأن يجعلنا من الشاكرين العاملين بكتابه وسنة نبيه وآله الطاهرين.

السيد مصطفى مرتضى .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *