السيد مصطفى مرتضىالسيد مصطفى مرتضى

Loading

الإعجاز التربوي في سورة لقمان الحكيم ٢ .
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ سورة لقمان من السور التي تحمل بين آياتها دروسًا تربويةً عظيمةً، جمعت بين الحكمة والموعظة، والتوجيه والإرشاد، والأخلاق والإيمان، وتضع منهجًا قويمًا لتربية الأبناء على طاعة الله، وحُسن السلوك، ومكارم الأخلاق. وقد تجلت فيها حكمة لقمان (ع) بأجمل صورها.

فصل في ذكر نبذٍ من حكم لقمان الحكيم ، وفي كتاب من لا يحضره الفقيه .

ذُكر في التفسير أنَّه دعاه مولاه فقال: اذبح شاةً فائتِني بأطيب مضغتين منها، فذبح شاةً وأتاه بالقلب واللسان. فسأله عن ذلك، فقال: إنّهما أطيبُ شيءٍ إذا طابا، وأخبثُ شيءٍ إذا خَبُثا.

قال عبد الله بن زيد: قدم لقمان من سفر، فأتاه خادمه في الطريق، فقال: ما فعل أبي ؟ قال: مات قال: ملكتَ أمري؟ قال: ما فعلت امرأتي ؟ قال : ماتت . قال جَدَّد فراشي. قال: ما فعلتَ أختي؟ قال: ماتت. قال: سترتَ عورتي؟ قال: ما فعل أخي؟ قال: مات. قال: انقطع ظهري.

وقيلَ للقمان: أيُّ الناس شرٌّ؟ قال: الذي لا يُبالي أن يراه الناسُ مسيئًا. وقيل له: ما أقبح وجهك؟ قال: تعتب على النقش ، أو على فاعل النقش ؟ . وقيل: إنَّه دخل على داودَ وهو يَسرد الدِّرعَ، وقد لين الله له الحديدَ كالعجين، فأراد أن يسأله، فأدركته الحكمةُ فسكت. فلما أتمّها لبسها وقال: نعم لِلبوسِ الحَربِ. أنتَ فقال : الصمت حكمه وقليل فاعله . فقال له داوود : بحق ما سميت حكيما .
وفي كتاب من لا يحضره الفقيه، قال لقمان لابنه: يا بني، إنّ الدنيا بحر عميق، وقد هلك فيها عالم كثير، فاجعل سفينتك فيها الإيمان بالله، واجعل شراعها التوكّل على الله، واجعل زادك فيها تقوى الله، فإن نجوت فبرحمة الله، وإن هلكت فبذنوبك.
وروي سليمان بن داود المقرّي، عن حمّاد بن عيسى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: في وصيّة لقمان لابنه:
يا بني! سافر بسيفك وخفك، وعمامتك، ونعلانك، وسقائك، وخيوطك، ومخرزك وتزود معك من الأدوية ما تنتفع به أنت ومن معك، وكن لأصحابك موافقًا إلا في معصية الله، عز وجل. يا بني! إذا سافرت مع قوم فأكثر استشارتهم في أمرك وأمورهم، وأكثر التبسم في وجوههم، وكن كريماً على زادك بينهم، فإذا دعوك فأجبهم، وإذا استعينوا بك فأعنهم، واستعمل طول الصمت، وكثرة الصلاة، وسخاء النفس بما معك من دابة، أو ماء، أو زاد.

وإذا استشهدوك على الحق فاشهد لهم، واجهد رأيك لهم إذا استشاروك، ثم لا تعزم حتى تثبت وتنظر، ولا تجب في مشورة حتى تقوم فيها وتقعد، وتنام وتأكل، وتصلي ، وأنت مستعمل فكرتك، وحكمتك في مشورته، فإن من لم يمحض النصيحة في استشارة، سلبه الله رأيه. وإذا رأيت أصحابك يمشون فامشِ معهم، وإذا رأيتهم يعملون فاعمل معهم، واسمع لمن هو أكبر منك سنًا.
وإذا أمروك بأمرٍ وسألوك شيئًا فقل: نعم ولا تقل: لا، فإنَّ لا عيٌّ ولؤم، وإذا نزلتم في الطريق فانزلوا، وإذا شككتم في القصد فقفوا، وتآمروا، وإذا رأيتم شخصًا واحدًا فلا تسألوه عن طريقكم، ولا تسترشدوه، فإنَّ الشخص الواحد في الفلاة مريب، ولعله يكون عين اللصوص، أو يكون هو الشيطان الذي يجرِّكم.
واحذروا الشخصين أيضًا، إلا أن تروَا ما لا أرى.
إنَّ العاقل إذا أبصر بعينه شيئًا عرف الحق منه، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب.

يا بني إذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخِّرها لشيء، صلِّها واسترح منها، فإنها دين، وصلِّ في جماعة ولو على رأس زَجٍّ، ولا تنامت على دابتك فإن ذلك سريع في دبرها وليس ذلك من فعل الحكماء إلا ان تكون في محمل يمكنك التمدد لاسترخاء المفاصل ، فإذا قربت المنزل فانزل عن دابتك ، وابدأ بعلفها قبل نفسك .
وإذا أردتم النزول فليكن من بقاع الأرض أحسنها لوناً ، وأنبتها تربةً ، وأكثرها عشباً ، وإذا نزلت فصلّ ركعتين قبل أن تجلس ، وإذا أردت قضاء حاجتك ، فأبعد المذهب في الأرض ، وإذا ارتحلت فصلّ ركعتين ثم ودّع الأرض التي حللت بها ، وسلِّم على أهلها ، فإنّ لكل بقعةٍ أهلاً من الملائكة . وإن استطعت أن لا تأكل طعاماً حتى تتصدّق منه فافعل ، وعليك بقراءة كتاب الله ما دمت راكباً ، وعليك بالتسبيح ما دمت عاملا عملا ، وعليك بالدعاء ما دمت خاليا ، وإياك والسير في أول الليل الي آخره ، وإياك ورفع الصوت في مسيرك .
وبذلك نرى أنَّ ما ورد في سورة لقمان من وصايا ومواعظ يمثل نموذجًا متكاملًا للتربية الربانية التي تهدف إلى بناء الإنسان الصالح في عقيدته، وأخلاقه، وسلوكه. فهي دعوة إلى الإيمان، والتقوى، وحسن المعاملة، والعلم النافع، مما يجعلها دستورًا خالدًا للتربية الحكيمة التي يحتاجها كل زمان ومكان.
السيد مصطفى مرتضى .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *