![]()

رحلتي إلى مدينة دالاس ولاية تكساس
الحلقة الثالثة
بدأتْ زياراتي تتكررُّ على الجالية الإسلامية في مدينة دالاس فقد وفقّتُ للتعرّف على الجاليات الأخرى أيضًا كمؤسسّة المؤمن ومؤسسة عِلمْ ولكن كان لي الفوز الأكبر بخدمة الجالية الكريمة في جامع الامام علي عليه السلام فقد قرأت عدّة مرات ايام عاشوراء وأيام شهر رمضان المبارك ومناسبات مُتعدّدة كثيرة وكثيرة أبرزها كانت أيام الفاطمية الثانية حيث واظبتُ على الحضور سنويّا مع الجالية الكريمة لإحياء مجالسها وكان الداعم الرئيسي لهذه المجالس الفاطمية الثانية الاخ الكريم المرحوم الحاج إسماعيل العبودي (أبو زكريا) رحمهُ الله بواسع رحمته حيث ترى في شخصه الجمع بين كفاح الحياة وحياة الكفاح الشخصية الطيبّة التي هاجرت إلى رفحاء ثم إلى أميركا حيث وجدتهُ ما كان يعمل لجاهٍ وشُهرة ولم يفكَّر في يوم من الأيَّام أنْ يعمل ليشتهرَ أو ليُعرف بين الناس بل كنتُ أقرأُ في عينيه ومشاعرهِ إخلاصًا وحُبًّا عميقًا لأهل البيت عليهُم السلام كما كُنتُ أقرأ ذلك في عيون الكثيرين من الناس لكن هناك مَن يبحث عن (جاهٍ وشُهرة وعن مالٍ ودُنيا) وهذا لا يحظى بالتَّوفيق الرَّبَّاني ، نعم قد يملك شُهرةً وصدًى ويصنع لهُ مجدًا مُزيفّا لكنهُ لا يملكُ توفيقًا ربَّانيًّا فليس كلُّ شهرة توفيق وإنَّما الشُّهرة المعبَّأة بالرَّوحانيَّة والرَّبَّانيَّة هي الشُّهرة المطلوبة وهي الشُّهرة التي تُرضي الله سبحانهُ وتعالى وتُرضي نبينّا العظيم وأئمتّنا الأطهار سلامُ الله عليهم أجمعين ، رحِمَ اللهُ أبا زكريا بواسع رحمته ورحمَ الله كلّ العاملين الذين رحلوا من جالياتنا وأسكنهُم فسيحَ جنانه وألهَمَ مُحبيّهم وذويهم عظيم الصبر وجميل العزاء وَإنَّا لله وَإنَّا اليهِ راجعون…نَعم تعمقّت علاقاتي مع جالية مدينة دالاس حيثُ وجدتُ فيهم الخير الذي يتسّع لكلّ الصفات الطيبّة والمشاعر الطيبّة والمساهمات الطيبة التي تُحوّل عمل الإنسان إلى طاعة والى عبادة والى صدقة ، كُنتُ ارى إقبال الناس بكثافة وبقوّة على الحضور في إحياء المجالس خصوصًا في موسم عاشوراء لإعتزاز الاُمّة بدينها واتباع تعاليمه الفاضلة فكانت المؤسسّة تضيقُ بالوافدين اليها ممّا تضطرّ ادارة المؤسسّة لتأجير خيمة كبيرة لإستيعاب الناس وكُنتُ اتساءل مع نفسي عن سبب تشّوق هذا الجمهور للمجالس الحُسينية وعُشقه لها والإجابة أراها بسيطة لا تحتاج إلى عُمق فلسفي انّ الناس تبحثُ عن دينها وبناء آخرتها فلابُدّ ان أتعب في التحصيل وأقدّم لها الجديد بإسلوب السهل الممتنع اُجيدُ الارتجال وأتفنن في طريقة العرض والانتقال من فكرةٍ الى اخرى وهذا الفن بالرغم إنّي تعلمّتهُ من أيام دراستي في النجف الأشرف أواسط السبعينيات من نجومٍ مُضيئة من الخُطباء لمَعتْ شخصياتهم الفذة على صفحات الخلود ودونّوا لهُم تاريخًا عظيمًا في سجلّ العظماء وتركوا دويًّا بمسامع الدنيا لكنّي تعمقّتُ فيه أكثر فأكثر ، نعمْ أقولُ لأبناءنا وأجيالنا إنّ الخطابة الحُسينية والعلوم الدينية تنفرد عمّا سواها من الدراسات الأخرى فليس الغرض منها نيل الشهادة والحصول على منصب وإنّما هي دراسة عبادية المقصود منها وجه الله تعالى والهدف منها تبليغ الرسالة الالهية للمجتمع ، ومن هنا يجب ان يعرف الجيل الجديد أنّ المؤسسّة الدينية لها مركزيتّها المُهمّة في حياة الإنسان ولنْ يجد الإنسان أفضل من المؤسسّة الدينية مكانًا يتطلّعُ فيه للعالم الآخر ولعبادة الله تعالى ومناجاته ورفدهِ بالغذاء الروحي والثقافي والأخلاقي بالرغم أنّ العبادة لا تتمحور في مكان واحد الّا أنّ المؤسسّة الدينية مركز إشعاع يشعُّ على حياة المسلمين نورًا وعلمًا ورحمةً وخُلقًا وهنيئًا لمن يعرفُ هذه المُهمّة وقد رأيتُ دالاس لها موقعية في هذا الجانب، لقد حضرتُ إحدى المؤتمرات الإسلامية قبل سنتين في مدينة شيكاغو وكنتُ اتحدث مع بعض الاخوة الذين حضروا من ولايات مُتعدّدة عن النشاط الديني لمراكزهم الدينية ووضع الجالية الإسلامية فيها فجاءت الأجابات مُحيّرة وغير متوقّعة انّ العديد من المراكز مُصيبتُها فادحة وأصبحت شبه مُعطلّة فهي مكان لشرب الشاي والقهوة واكل الطعام والتنافس على إعداده فقط ، وبعض الناس يأتون لقضاء الوقت او للاُنس والتعليل لا أكثر ، أمّا الحضور لأجل صلاة الجماعة وقراءة القرآن والدعاء والزيارة وسماع الموعظة الحسنة والاهتمام ببرامج الشباب والأطفال فمفقود في الأعم الأغلب وهذا أمرٌ سيئ سيقود الأبناء إلى الانحراف والضياع فلابُدّ ان ننتبه وان نُعزّز ونُعمّق في داخل أبناءنا وشبابنا انّ الحضور في هذه المؤسسّات هو مسؤولية كبيرة و هو صناعة مستقبلنا الأخروي وليس للترف والاُنس فقط و علينا ان نستفيد من تجارب مؤسساتنا الاخرى وننفتح على نشاطها فهناك مؤسسّات فاعلة وبرامجها مُرتبّة وفيها لجان تسمى بالمواقع الصالحة وظيفتها تقديم العون للشباب وتحمّل عقول الناس ونصحهمْ وتصحيح أخطائهم ومساعدة الشباب الفاريّن من الدين بالعودة إلى أحضان المؤسسّة والاستفادة من طاقاتهم وأعتقد أنّ الحياة تصبح أجمل عندما نستفيد من قُدرات وكفاءات بعضنا البعض ونساعد بعضنا البعض وهذه هي رسالة أئمتنّا عليهم السلام وكلمّا قطعنا شوطًا في ذلك تحسنّت نوعية العالَم الذي سنقيمهُ لأبناءنا ولأجيالنا.
الحلقة الثالثة / مدينة دالاس ولاية تكساس
مازن السهلاني – أميركا
