![]()
المعنى الجمالي للآداب
«الآداب حُلل مجدّدة»
محمد جواد الدمستاني
آداب جمع أدب و هو الاتصاف بالسلوك الحسن و مكارم الأخلاق، و إطلاق الآداب يشملها كلها من السلوك الاجتماعي، و آداب الكلام، انتقاء الألفاظ المناسبة، اللين في الكلام، قبول النصيحة، الإصغاء للآخرين و عدم مقاطعتهم، الانضباط في الأوقات، حفظ الكرامات، آداب الضيافة و الإكرام، آداب مناسبات الولادات و التعزيات، إلى غيرها من الآداب، روي عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة «الْآدَابُ حُلَلٌ مُجَدَّدَةٌ»[1].
و حُلَل جمع حُلّة و هي الثوب الجيد الجديد، و مجددة تعني أنّها تتغير و تتبدل و تتزيّن باستمرار، فكما أنّ لبسه يثير انتباها و يعطي توقيرا للذي يلبسه، كذلك الآداب فإنّها حلّل تتجدد، و كلما تأدب الإنسان مع الناس و أظهر أدبا صار كلابس ثوب جديد يثير الانتباه المتجدد و التوقير و التقدير، و عظم في عيونهم و نفوسهم.
و الحلة أو الثوب يغطي الجسد و يستره كذلك الآداب تستر النواقص، و الحلة تزيد لابسها وقارا و هيبة و كذلك الآداب، و ينبغي أن تكون الآداب تعبيرا للنفس الصافية النقية لمظهرها لا أن تكون مجاملات فارغة تخفي حقيقة صاحبها فتكون نوعا من الخديعة و التزييف، و في أمالي المفيد «اَلْآدَابُ حُلَلٌ حِسَانٌ»[2].
فالتعبير بالحلل لبيان المظهر الجمالي للآداب و تأثيرها على الآخرين فظاهر الآداب كظاهر الحلل الجديدة، فالآداب من بشر و بشاشة و احترام للآخرين و محبة و تواضع و صدق و وفاء و مروءة و أخلاق كلما ظهرت من صاحبها ازداد حسنا جديدا في عيون الآخرين، قال الراوي: «سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) يَقُولُ لأَصْحَابِه يَوْماً: لاَ تَطْعُنُوا فِي عُيُوبِ مَنْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ بِمَوَدَّتِهِ، وَ لاَ تُوَقِّفُوهُ عَلَى سَيِّئَةٍ يَخْضَعُ لَهَا، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَخْلاَقِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ، وَ لاَ مِنْ أَخْلاَقِ أَوْلِيَائِهِ، قَالَ: وَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ: إِنَّ خَيْرَ مَا وَرَّثَ اَلْآبَاءُ لِأَبْنَائِهِمُ اَلْأَدَبُ لاَ اَلْمَالُ فَإِنَّ اَلْمَالَ يَذْهَبُ وَ اَلْأَدَبَ يَبْقَى»[3].
و قال الإمام الصادق (ع): «إِنْ أُجِّلْتَ فِي عُمُرِكَ يَوْمَيْنِ فَاجْعَلْ أَحَدَهُمَا لِأَدَبِكَ لِتَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى يَوْمِ مَوْتِكَ، فَقِيلَ لَهُ وَ مَا تِلْكَ اَلاِسْتِعَانَةُ؟ قَالَ تُحْسِنُ تَدْبِيرَ مَا تُخَلِّفُ وَ تُحْكِمُهُ»[4].
و التجدد يشمل تجدد القبول النفسي لمظهِر الآداب و محبوبيته بين الناس، و التعامل معه بالتوقير و الاحترام، و ظهور تأثير ذلك إيجابيا في رزقه و تكريمه، فالآداب حلل و زينة و رويت عنه عليه السلام في «لا حُلَلَ كالآدابِ»[5]، «لا زينةَ كالأدبِ»[6].
-
– نهج البلاغة، حكمة 5 (الْعِلْمُ وِرَاثَةٌ كَرِيمَةٌ وَ الْآدَابُ حُلَلٌ مُجَدَّدَةٌ وَ الْفِكْرُ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ) ↑
-
– الأمالي، الشيخ المفيد، ص ٣٣٦، الأمالي، الشيخ الطوسي، ص ١١٤ (قَالَ سَمِعْتُ اَلْعَبْدَ اَلصَّالِحَ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِسُرَّ مَنْ رَأَى يَذْكُرُ عَنْ آبَائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ قَالَ قَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ : اَلْعِلْمُ وِرَاثَةٌ كَرِيمَةٌ وَ اَلْآدَابُ حُلَلٌ حِسَانٌ – وَ اَلْفِكْرَةُ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ وَ اَلاِعْتِبَارُ مُنْذِرٌ نَاصِحٌ وَ كَفَى بِكَ أَدَباً لِنَفْسِكَ تَرْكُكَ مَا كَرِهْتَهُ مِنْ غَيْرِكَ) ↑
-
– الکافي، الشيخ الكليني، ج8، ص 150 ↑
-
– الکافي، الشيخ الكليني، ج8، ص 150 ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٧٦٩ ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٧٦٨ ↑
