محمد جواد الدمستانيمحمد جواد الدمستاني

Loading

الفكر طريق كشف المجهولات و المخفيات

«الفكر مرآة صافية»

محمد جواد الدمستاني

الفكر و إعمال العقل يكشف للإنسان كثيرا من المجهولات و المخفيات، تبقى دون الفكر مستورة أو غائبة و إن كانت قريبة للناظر و سريعة الحصول، و كما يرى الإنسان حين النظر في المرآة وجهه و ملامح في جسده، و مواضع لا تراها عينه فيه كذلك بالفكر يرى كثيرا من الخفايا و الحقائق و الأبعاد المخفية للأمور مما لا تُرى دون إعمال الفكر، يراها بوضوح كلما كان فكره صافيا نقيا ثاقبا كأنّه ينظر بمرآة، فالفكر مرآة صافية، روي عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة «الْفِكْرُ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ»[1]، و في أمالي المفيد «اَلْفِكْرَةُ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ»[2].

و التشبيه بصفاء المرآة في إدراك الفكر للحقائق، يقابلها عدم صفائها أو تكسرها في عدم انعكاس المرئيات، فالفكر الصافي يؤدي إلى حسن الرؤية و وضوحها أما غير الصافي أو الملوث بالأهواء و الشوائب أو المشوه فلا يدرك الحقائق كما هي بل يُصيبه التشويش و التظليل.

و يشمل التشبيه بما تعكسه المرآة من المعروض أمامها دون زيادة أو نقصان، كما يدرك الفكر الحقائق بوضوح و صفاء لما يتفكّر فيه الإنسان و يتدبر.

كما قد يُستفاد من الحكمة أنّ الإنسان ليس بمظهره العام و لكن بفكره و صفائه و جوهره، و أنّ الفكر وسيلة للوصول للحقيقة كما هي المرآة وسيلة تعكس الأشياء لتُرى، و الوسيلة كلما كانت أنقى انعكس على غايتها في النقاء و الصفاء، فالفكر أمر عظيم في الحياة و المرآة أيضا فإنّك لا ترى وجهك إلا بها.

و في نهج البلاغة أيضا، قال (ع): «الْفِكْرُ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ وَ الِاعْتِبَارُ مُنْذِرٌ نَاصِحٌ، وَ كَفَى أَدَباً لِنَفْسِكَ تَجَنُّبُكَ مَا كَرِهْتَهُ لِغَيْرِكَ»[3].

و قال الراوي: «قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) عَمَّا يَرْوِي النَّاسُ أَنَّ تَفَكُّرَ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ، قُلْتُ كَيْفَ يَتَفَكَّرُ؟ قَالَ يَمُرُّ بِالْخَرِبَةِ أَوْ بِالدَّارِ فَيَقُولُ أَيْنَ سَاكِنُوكِ أَيْنَ بَانُوكِ، مَا بَالُكِ لَا تَتَكَلَّمِينَ»[4].

و عن الرضا عليه السّلام «لَيْسَ الْعِبَادَةُ كَثْرَةَ الصَّلَاةِ والصَّوْمِ إِنَّمَا الْعِبَادَةُ التَّفَكُّرُ فِي أَمْرِ اللَّه عَزَّ وجَلَّ»[5].

و في خطبة من نهج البلاغة يدعو عليه السلام إلى التفكر في عظيم مخلوقات الله، قال (ع): «وَ لَوْ فَكَّرُوا فِي عَظِيمِ الْقُدْرَةِ وَ جَسِيمِ النِّعْمَةِ، لَرَجَعُوا إِلَى الطَّرِيقِ، وَ خَافُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ، وَ لَكِنِ الْقُلُوبُ عَلِيلَةٌ وَ الْبَصَائِرُ مَدْخُولَة،ٌ أَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى صَغِيرِ مَا خَلَقَ، كَيْفَ أَحْكَمَ خَلْقَهُ وَ أَتْقَنَ تَرْكِيبَهُ، وَ فَلَقَ لَهُ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ سَوَّى لَهُ الْعَظْمَ وَ الْبَشَرَ»[6]، ثم ذكر (ع) بعض صفات أصناف من المخلوقات فبدأ بالنملة[7]، ثم خلقة السماء و الكون[8]، و خلق الجرادة[9]، كما ذكر بديع خلقة الخفاش[10]، و عجيب خلقة الطاووس[11].

  1. – نهج البلاغة، حكمة 5 (الْعِلْمُ وِرَاثَةٌ كَرِيمَةٌ وَ الْآدَابُ حُلَلٌ مُجَدَّدَةٌ وَ الْفِكْرُ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ)
  2. – الأمالي، الشيخ المفيد، ص ٣٣٦
  3. – نهج البلاغة، حكمة 365
  4. – الكافي، الشيخ الكليني، ج ٢، ص ٥٤، المحاسن، أحمد بن محمد بن خالد البرقي، ج ١، ص ٢٦
  5. – الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص ٥٥، فقه الرضا، علي ابن بابويه القمي، ص ٣٨٠
  6. – نهج البلاغة، خطبة 185
  7. – نهج البلاغة، خطبة 185 (انْظُرُوا إِلَى النَّمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا وَ لَطَافَةِ هَيْئَتِهَا، لَا تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ وَ لَا بِمُسْتَدْرَكِ الْفِكَرِ،كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا وَ صُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا تَنْقُلُ الْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا وَ تُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا، تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا وَ فِي وِرْدِهَا لِصَدَرِهَا مَكْفُولٌ بِرِزْقِهَا مَرْزُوقَةٌ بِوِفْقِهَا لَا يُغْفِلُهَا الْمَنَّانُ وَ لَا يَحْرِمُهَا الدَّيَّانُ وَ لَوْ فِي الصَّفَا الْيَابِسِ وَ الْحَجَرِ الْجَامِسِ، وَ لَوْ فَكَّرْتَ فِي مَجَارِي أَكْلِهَا فِي عُلْوِهَا وَ سُفْلِهَا وَ مَا فِي الْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ بَطْنِهَا وَ مَا فِي الرَّأْسِ مِنْ عَيْنِهَا وَ أُذُنِهَا لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً وَ لَقِيتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَباً، فَتَعَالَى الَّذِي أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا وَ بَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا لَمْ يَشْرَكْهُ فِي فِطْرَتِهَا فَاطِرٌ وَ لَمْ يُعِنْهُ عَلَى خَلْقِهَا قَادِرٌ، وَ لَوْ ضَرَبْتَ فِي مَذَاهِبِ فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ غَايَاتِهِ مَا دَلَّتْكَ الدَّلَالَةُ إِلَّا عَلَى أَنَّ فَاطِرَ النَّمْلَةِ هُوَ فَاطِرُ النَّخْلَةِ لِدَقِيقِ تَفْصِيلِ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ غَامِضِ اخْتِلَافِ كُلِّ حَيٍّ، وَ مَا الْجَلِيلُ وَ اللَّطِيفُ وَ الثَّقِيلُ وَ الْخَفِيفُ وَ الْقَوِيُّ وَ الضَّعِيفُ فِي خَلْقِهِ إِلَّا سَوَاءٌ).
  8. – نهج البلاغة، خطبة 185 (وَ كَذَلِكَ السَّمَاءُ وَ الْهَوَاءُ وَ الرِّيَاحُ وَ الْمَاءُ فَانْظُرْ إِلَى الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ النَّبَاتِ وَ الشَّجَرِ وَ الْمَاءِ وَ الْحَجَرِ وَ اخْتِلَافِ هَذَا اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ تَفَجُّرِ هَذِهِ الْبِحَارِ وَ كَثْرَةِ هَذِهِ الْجِبَالِ وَ طُولِ هَذِهِ الْقِلَالِ وَ تَفَرُّقِ هَذِهِ اللُّغَاتِ وَ الْأَلْسُنِ الْمُخْتَلِفَاتِ فَالْوَيْلُ لِمَنْ أَنْكَرَ الْمُقَدِّرَ وَ جَحَدَ الْمُدَبِّرَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ كَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارِعٌ وَ لَا لِاخْتِلَافِ صُوَرِهِمْ صَانِعٌ وَ لَمْ يَلْجَئُوا إِلَى حُجَّةٍ فِيمَا ادَّعَوْا وَ لَا تَحْقِيقٍ لِمَا أَوْعَوْا وَ هَلْ يَكُونُ بِنَاءٌ مِنْ غَيْرِ بَانٍ أَوْ جِنَايَةٌ مِنْ غَيْرِ جَانٍ.).
  9. – نهج البلاغة، خطبة 185 (وَ إِنْ شِئْتَ قُلْتَ فِي الْجَرَادَةِ إِذْ خَلَقَ لَهَا عَيْنَيْنِ حَمْرَاوَيْنِ وَ أَسْرَجَ لَهَا حَدَقَتَيْنِ قَمْرَاوَيْنِ وَ جَعَلَ لَهَا السَّمْعَ الْخَفِيَّ وَ فَتَحَ لَهَا الْفَمَ السَّوِيَّ وَ جَعَلَ لَهَا الْحِسَّ الْقَوِيَّ وَ نَابَيْنِ بِهِمَا تَقْرِضُ وَ مِنْجَلَيْنِ بِهِمَا تَقْبِضُ يَرْهَبُهَا الزُّرَّاعُ فِي زَرْعِهِمْ وَ لَا يَسْتَطِيعُونَ ذَبَّهَا…)
  10. – نهج البلاغة، خطبة 155
  11. – نهج البلاغة، خطبة 165


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *