![]()
ستر العيوب بالتسامح و ضبط النفس
«الاحتمال قبر العيوب»
محمد جواد الدمستاني
في الحث على الصبر و التعقّل و التسامح، و إخفاء عيوب و نواقص الآخرين إن وجدت و حفظ كراماتهم، قال أمير المؤمنين عليه السلام: «الِاحْتِمَالُ قَبْرُ الْعُيُوبِ»[1]، و في غرر الحكم قال عليه السلام «عَلَيْكَ بِالاحْتِمَالِ فَإِنَّهُ سَتْرُ الْعُيُوبِ»[2]، الاحتمال هنا بمعنى التحمّل و الصبر و التسامح و سعة الصدر و العفو دون انفعال و غضب، و العيوب هي النقائص و الأخطاء.
و المراد من الحكمة هو الصبر و التحمّل و عدم الغضب على ما قد يصدر من الآخرين من أخطاء أو ما يصيب الإنسان من مكروه، و عدم التسرع في ردود الفعل، فهذا التصبّر و التحمّل يخفي العيوب و يطمسها، فإنّ ردة الفعل و ما يقابلها من الآخرين من ردود أفعال مقرونة مع غضب و تشنّج تكشف عيوب و نواقص الطرفين، غير المتحمّل و خصمه.
فهذا الاحتمال يغطّي العيوب و يسترها فلا تظهر و لا تتفاقم مثلما يستر القبر و يخفي ما بداخله، و ليس إظهار الاحتمال و الحلم و العفو ضعفا و إنّما خلق يمارسه الصابر الحليم كمنهج أخلاقي و طريقة حياة و من خلفه قوة نفسية و ثقة بالنفس، روي عنه عليه السلام قوله: «وَجَدْتُ اَلْحِلْمَ وَ اَلاِحْتِمَالَ أَنْصَرَ لِي مِنْ شُجْعَانِ اَلرِّجَالِ»[3].
و الحياة عامة يتعرض فيها الإنسان إلى سوء تصرف من قبل الآخرين، أو ظلم، أو أذى و أضرار بقصد أو بدونه، و قد لا يكون له دخل في ذلك التعامل، فحلمه و تحمّله و كظم غيظه حينها يستر عيوب من اعتدى عليه، و عيوب نفسه إذ أنّ إظهار عيوب الآخرين يستدعي أن يكشفوا عن عيوبه أيضا، فحين المواجهة بالمثل، أو بردة فعل عنيفة، تظهر عيوب الطرفين.
و قد يخرج الكلام أو الخلاف بين طرفين عن السيطرة فيتحول إلى اتهامات و أكاذيب أو أكثر، و كل ذلك يمكن قبره ابتداء بالتحمّل و الحلم و التغاضي، و في صفة عباد الرحمن قال الله تعالى: «وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا»[4]، و في كظم الغيظ قال الله تعالى: «وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ»[5].
و في نهج البلاغة قال عليه السلام: «مَنْ أَسْرَعَ إِلَى النَّاسِ بِمَا يَكْرَهُونَ، قَالُوا فِيهِ بِمَا لَا يَعْلَمُونَ»[6]، و في تمام نهج البلاغة إضافة «وَمَنْ تَتَبَّعَ مَسَاوِئَ الْعِبَادِ فَقَدْ نَحَلَهُمْ عِرْضَهُ»[7]، و عن الإمام زين العابدين (ع): «مَن رَمَى الناسَ بما فيهِم رَمَوهُ بما ليسَ فيهِ»[8].
و في الصداقات و العلاقات التي لا تخلو من أخطاء و زلات يحتاج الصديق إلى الحلم و العفو في علاقاته و إلا فرطت دون صديق، فالاحتمال يحفظ العلاقات بالترفع عن الزلات و التغاضي عن الهفوات فيمنع انهيار الصداقات،
قال أمير المؤمنين (ع): «زَيْنُ الْمُصَاحَبَةِ الِاحْتِمَالُ»[9]، «الْحَلِيمُ مَنِ احْتَمَلَ إِخْوَانَهُ»[10]، «مِنَ الْمُرُوَّةِ احْتِمَالُ جِنَايَاتِ الْإِخْوَانِ»[11]، «الِاحْتِمَالُ زَيْنُ الرِّفَاقِ»[12]، «مَنْ لَمْ يَحْتَمِلْ زَلَلَ الصَّدِيقِ مَاتَ وَحِيداً»[13]، «مِنَ الْكَرَمِ احْتِمَالُ جِنَايَاتِ الْإِخْوَانِ»[14].
و إنّ الاحتمال صفة للحليم، قال عليه السلام: «بِكَثْرَةِ الِاحْتِمَالِ يُعْرَفُ الْحَلِيمُ»[15]، و «زَكَاةُ الْحِلْمِ الِاحْتِمَالُ»[16]، فمن كان حليما صبورا يتحمّل أخطاء الآخرين و يتجاوزها بصبره و حكمته، فهو يمنع ظهور عيوبه بمنع إظهاره عيوب خصمه أو طرفه المقابل و من أراد به سوء، و هذه المعالجة تصدر من الحكيم الحليم و ليس من كل أحد، بل ممن يعي أنّه معرض للخطأ و أنّ كشف عيوب الناس سيتبعه كشف عيوب تنسب إليه صحيحة أو باطلة، و نتيجتها أنّه يحافظ على نفسه من التشويه، و على الآخرين من التعييب، و يبعد المجتمع من التشويش و التضخيم.
-
– نهج البلاغة، حكمة 6 ↑
-
– تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٤٢٠، عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص ٣٣٥، غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٤٤٣ (عَلَيْكَ بِالاِحْتِمَالِ فَإِنَّهُ أَسْتَرُ اَلْعُيُوبِ)، و روي أيضا في غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ١٣٩ (اِحْتَمِلْ مَا يَمُرُّ عَلَيْكَ فَإِنَّ اَلاِحْتِمَالَ سَتْرُ اَلْعُيُوبِ، وَ إِنَّ اَلْعَاقِلَ نِصْفُهُ اِحْتِمَالٌ وَ نِصْفُهُ تَغَافُلٌ)، و كذا في تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص 284، و عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص ٨٤ ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٧٣١، عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص ٥٠٦ ↑
-
– سورة الفرقان، آية 63 ↑
-
– سورة آل عمران، آية 133- 134 ↑
-
– نهج البلاغة، حكمة 35 ↑
-
– تمام نهج البلاغة، السيد صادق الموسوي، ص١٥٠ (مَنْ أَسْرَعَ إِلَى النّاسِ بِمَا يَكْرَهُونَ قَالُوا فيهِ مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَمَنْ تَتَبَّعَ مَسَاوِئَ الْعِبَادِ فَقَدْ نَحَلَهُمْ عِرْضَهُ) ↑
-
– أعلام الدين في صفات المؤمنين، الحسن بن محمد الديلمي، ص٢٩٩ ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٣٩١، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٤٢٠ ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٥٩، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٤٢٠ ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٦٨١، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٤٢٠ ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٤٥، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٤٢٠ ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٦٦٠، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٤٢٠ ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٦٧٣، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٤٢٠، غرر الحكم و درر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٦٨١ (من المروّة احتمال جنايات المعروف) ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٣٠٤، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٨٦ ↑
-
– غرر الحكم و درر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٨٢٠، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٣٧٨ ↑
