محمد جواد الدمستانيمحمد جواد الدمستاني

Loading

ستر العيوب بالمصالحة

«المسالمة خباء العيوب»

محمد جواد الدمستاني

قد تحصل مشكلة ما تتبعها خصومة أو عداوة يستطيع أحد أطرافها نزع فتيلها و إبعادها عن الحالة التشنجية و تحويلها إلى الحالة العادية و الطبيعية من علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، هي القائمة على التصالح و الموادعة و المهادنة، هذا المنهج نحو المسالمة يستر العيوب و يخفيها كما يحفظ كرامة الأطراف، قال أمير المؤمنين عليه السلام: «المُسَالَمَةُ خِبَاءُ الْعُيُوبِ»[1]، و في نسخ من نهج البلاغة «اَلْمَسْأَلَةُ خَبْ‏ءُ الْعُيُوبِ»[2]، و في نسخ من نهج البلاغة «الْمَسْأَلَةُ خِبَاءُ الْعُيُوبِ»[3].

و هذه الحكمة قريبة في المعنى من سابقتها، و هي «الِاحْتِمَالُ قَبْرُ الْعُيُوبِ»، و لكنها متأخرة عنها رتبة زمنية فإن أخطاء الآخرين إن حصلت تحتاج إلى الصبر و الحلم ابتداء كردّ فعل عاقل و متأنّي، و ثانيا تحتاج إلى تضييق مساحة الأخطاء بالمسالمة و البعد عن حالة الخصومة و العداء، و هذه المسالمة سوف تستر العيوب «المُسَالَمَةُ خِبَاءُ الْعُيُوبِ».

و الحكمة نصيحة للناس بنهج طريق المسالمة و التصالح فإنّه خير لهم من التخاصم و التشاجر، و بالتسالم يحافظون على ستر عيوبهم، و خصومهم، فالمسالمة مع الناس و التصالح و الوصول إلى حلول سلمية بعيدا عن حالات الخلاف و الغضب خباء و ساتر للعيوب، ذلك أنّ المسالمة تطفىء نيران الغضب و تهدئ القلوب فلا يظهر انفعالُ الأطراف بعد تصالحها عيوبَ بعضها لعادة البشر في الركون عند المصالحة و المسالمة إلى الهدوء و التغاضي – و ليس ذلك مضطردا و لكنه كثير الحصول فإنّ من البشر من تصالحه فيغدر بك، و تهادنه فيخونك – فالغالب أنّ الناس تعادي و تظهر عيوب من يعاديها، و تسالم من يسالمها فتستر عيوبهم كما يسترون عيوبها، فالعيوب موجودة في أطراف الخصومة أو الخلاف و سوء الفهم و لكنها مستورة بالمسالمة التي أطفأت النائرة.

و روي عنه عليه السلام قوله: «وَجَدْتُ الْمُسَالَمَةَ مَا لَمْ يَكُنْ وَهْنٌ فِي الْإِسْلَامِ أَنْجَعُ مِنَ الْقِتَالِ»[4]، فالمسالمة و المصالحة أنفع و أكثر فائدة من القتال الذي يلزمه حروب و دماء ما لم يكن ضعف في الدين، و هذا من أساسيات منهجه عليه السلام في تقديم الحلول السلمية على الحرب و القتال إن استطاع إلى ذلك سبيلا فإن لم يكن «فَآخِرُ الدَّوَاءِ الْكَيُّ»[5].

و هذه المسالمة هي نوع من الشجاعة يقوم بها الواثق و القائد المحنك في سبيل مصلحة الدين و الناس، و شرطها أن تكون لصالحهم لا على حسابهم.

هذه الحكمة «المُسَالَمَةُ خِبَاءُ الْعُيُوبِ»، و سابقتها «الِاحْتِمَالُ قَبْرُ الْعُيُوبِ»، لها كثير من المصاديق في الحياة الاجتماعية اليومية، فقد يحدث خلاف بين زوجين فيتطور بينهما في الكلام فيتكلم أحدهما عن الآخر بسوء فيردّ عليه الآخر، فقد تتحدث الزوجة عن زوجها و عيوبه و عيوب أهله، فيردّ الزوج بعيوبها و عيوب أهلها، فتردّ هي و هكذا تخرج عيوبهما و أهلهما، و هذه تذكر كبداية في خلافات الزوجين في بعض الدول العربية.

كما تكون أيضا في خصومات و نزاعات الدول فإنّها إذا وقع بينها أزمات أو نزاعات يوجّهون إعلامهم لطرف النزاع و إخراج ما استطاعوا إخراجه من عيوبه، مما يحتفظون به في دوائر المراقبة، فيردّ الآخر بذكر عيوب الدولة الأخرى، و هكذا قد تستمر سنوات بعمر النزاع بينهم حتى تنقشع الأزمة فيهدأ الإعلام، و تتحول الدولة المتخاصمة إلى شقيقة.

و في الحالتين المذكورتين خصومة الزوجين أو الدولتين تأتي هاتان الحكمتان ناصحتين، فالتحمّل و الحكمة يقبر عيوبهما، و المسالمة و المصالحة تستر نواقصهما.

  1. – نهج البلاغة، حكمة 6، اختيار مصباح السالكين، ابن ميثم البحراني، ص ٥٧٧، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، حبيب الله الهاشمي الخوئي، ج ٢١، ص ٩، بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة، الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري)، ج ١٤، ص ٥٠١، نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة، الشيخ المحمودي، ج ١٠، ص ١٩١، في ظلال نهج البلاغة، محمد جواد مغنية ج ٤، ص ٢١٩

  2. – منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، ج ٣، قطب الدين الراوندي، ص ٢٦٤، شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج ١٨، ص ٩٧، شرح نهج البلاغة، ابن ميثم البحراني، ج ٥، ص ٢٣٨، بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج ٦٨، ص ٤٢٧، تمام نهج البلاغة، السيد صادق الموسوي، ص ٧٤٢

  3. – نهج البلاغة، خطب الإمام علي ( ع ) ( تحقيق صالح )، ص ٤٧٠، و في خصائص الأئمة، الشريف الرضي، ص ١١٥ «اَلْمُسَالَمَةُ حبيب اَلْعُيُوبِ» لعلها تحريف لكلمة خبء (اَلْمُسَالَمَةُ خبء اَلْعُيُوبِ)

  4. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٧٣١، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٤٤٥

  5. – نهج اللاغة، خطبة 168

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *