![]()
آثار الرضا عن النفس
«من رضي عن نفسه كثر الساخط عليه»
محمد جواد الدمستاني
تحذير من أمير المؤمنين عليه السلام من الرضا عن النفس و ما يؤديه من العجب و الغرور، و لما يتركه من آثار على صاحبه، قال عليه السلام: «مَنْ رَضِيَ عَنْ نَفْسِهِ كَثُرَ السَّاخِطُ عَلَيْهِ»[1]، فالرضا عن النفس و توهم الأفضلية على الآخرين يجعل الإنسان يتجاوز عيوبه، فلا يقف عند إخطائه و مساوئه و لا يلتفت لها و لا يبصرها، و هي واضحة للآخرين فيعيبونه و يكثر الساخطون عليه و الغاضبون منه، فمن رضي عن نفسه لا يرضى عنه الناس بسبب ما يصيبه من اختيال و عجب و تبختر، و قد يظهر أقوالا و أفعالا لتوهمه بتميّزه مما لا يراه الآخرون تميّزا و فضلا، و قد يدّعي أمورا فيعارضه الناس في صدقه فيها فلا يرونه مستحقا لإدّعاءاته فيسخطون منه و ينفرون عنه، و حينئذ ينفتح الباب عليه فيما فيه و فيما ليس فيه من ذم و طعن و تُهَم.
فالراضي عن نفسه يثير سخط الناس عليه، و مقرون بسخط الله كما في الرواية عن أمير المؤمنين (ع) :«رِضَا الْعَبْدِ عَنْ نَفْسِهِ مَقْرُونٌ بِسَخَطِ رَبِّهِ»[2]، «مَنْ رَضِيَ عَنْ نَفْسِهِ أَسْخَطَ رَبَّهُ»[3].
و الأمر يرجع إلى العلم و الجهل بالنفس و سوء تقدير لها، فمن عرف نفسه و قدرها علم أنّ مجهولاته أكثر بكثير من معلوماته و لا قياس بينهما، و أنّه إنسان ضعيف قد يتغير كل ما يعتبره فضلا و كمالا عنده من مال و جمال و جاه، و صحة و عافية، و جسم و هيكل، و متاع و أثاث في لحظة واحدة فلا يرضى عن نفسه أبدا بل يسعى إلى المزيد من الكمال، و من جهلها فإنه يرى نفسه أفضل و أكمل من الآخرين بقياسات يتوهمها، و يرضى عن نفسه فيتوقف عن السعي في تحسينها، فإذا أهملها دون أن يلتفت إلى آثار تلك النظرة الخاطئة فإنّه يقع في آثار سلبية ناتجة عن ذلك الرضى، فالعلماء كلما ازداد علمهم انكشف لهم جهلهم، و الجهال كلما زاد جهلهم زاد رضاهم بأنفسهم و غرورهم، و قد وصف أمير المؤمنين عليه السلام العالم بقوله: «الْعَالِمُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَهُ، وَ كَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا أَلَّا يَعْرِفَ قَدْرَهُ»[4]، و عن الإمام الصادق (ع) قال: «مَا أخَالُ رَجُلاً يَرْفَعُ نَفْسَهُ فَوْقَ قَدْرِهَا إِلاَّ مِنْ خَلَلٍ فِي عَقْلِهِ»[5]، و في الكافي عن أمير المؤمنين (ع): «إِعْجَابُ اَلْمَرْءِ بِنَفْسِهِ دَلِيلٌ عَلَى ضَعْفِ عَقْلِهِ»[6]، فالعاقل يضع الأمور مواضعها و يعرف حسنها من قبحها، فالرضا عن النفس و الإعجاب بها و الترفع على الناس من القبح الواضح، و العاقل يدرك أنّ عنده عيوبا و يسعى و يجتهد في إصلاحها، و ليس ذلك في الجاهل.
هذا الرضا عن النفس و ما يلزمه من عجب و غرور يضعف قدرة صاحبه العقلية فلا يفكر بصورة صحيحة و سليمة، و في حكمة أخرى في نهج البلاغة قال عليه السلام: «عُجْبُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ أَحَدُ حُسَّادِ عَقْلِهِ»[7]، فلا يرى الأمور على حقيقتها بميزان صحيح، و يقع في الأخطاء دون أن يدرك فإنّه قد يرى التكبر و التبختر هي الحالة المقبولة و هذا خطأ فإن الصحيح هو التواضع، و كأنّ عُجبه بنفسه قد حَسَد عقله، و روى الصدوق عن أمير المؤمنين (ع) «مَا هَلَكَ اِمْرُؤٌ عَرَفَ قَدْرَهُ»[8]، بل يهلك من لا يعرف قدره.
و المراد من الحكمة ألا يسلك الإنسان هذا المنهج من الرضا عن النفس و العجب و الغرور، و يرى في نفسه أفضلية على الآخرين، و أنّه مميّز و كامل كما يُشاهد في بعض الأشخاص في أقوالهم و أفعالهم و طريقة مشيهم و معاملاتهم، فإن فعل ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه، لأنّ الآخرون سينظرون إليه بازدراء و سخط، و يكثر الساخطون عليه و النافرون منه، و كذا لا ينبغي أن يرفع الإنسان نفسه فوق قدرها، بل يسعى في طلب كماله، قال عليه السلام: «شَرُّ النَّاسِ مَنْ يَرَى أَنَّهُ خَيْرُهُمْ»[9]، و عوض ذلك أن يراقب الإنسان نفسه، و يسعى في إزالة نواقصه و عيوبه، و يسعى نحو الكمال و يتصف بصفاته من التواضع و التودد، فإنّ ذلك أقرب إلى الناس.
و إعجاب الإنسان بنفسه أحد الموبقات المهلكات كما الرواية عن رسول الله (ص) قال: «وَأَمَّا الْمُهْلِكَاتُ فَشُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ»[10]، و قد يظنّ إنسان أنّه راض عن نفسه و مرغوب فيه و هو ليس كذلك بل مكروه مسخوط عليه، و قد تجد في المجتمعات من يرى نفسه دون عيوب، و يظنّ في نفسه الكمال و التميّز عن الآخرين، و يبالغ في مدح نفسه، و بيان مواقفه باستمرار و الحديث عن فضائله، و هذا الإعجاب خطير على النفس قد يؤدي بصاحبه إلى الهلاك، كما تجد في المجتمع العلماء و الحكماء و أهل الخير و التقوى ممن يسعى للكمال و صفاته التواضع و النبل.
-
– نهج البلاغة، حكمة 6 ↑
-
– غرر الحكم و درر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٣٨٩، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٣٠٨ ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٦٠٣، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٣٠٨ ↑
-
– نهج البلاغة – خطبة 103 ↑
-
– مشكاة الأنوار في غرر الأخبار، علي بن الحسن الطبرسي، ص ٤٣٠ ↑
-
– الكافي، الشيخ الكليني، ج ١، ص ٢٧ ↑
-
– نهج البلاغة، حكمة 212 ↑
-
– الخصال، الشيخ الصدوق، ص ٤٢٠، الأمالي، الشيخ الصدوق، ص ٥٣٢ ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٤١٠، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٣٠٨ ↑
-
– الخصال، الشيخ الصدوق، ص ٨٥، من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، ج ٤، ص ٣٦١، و بلفظ الموبقات (..الْمُوبِقَاتُ فَشُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ) في المحاسن، أحمد بن محمد بن خالد البرقي، ج ١، ص ٤، معاني الأخبار، الشيخ الصدوق، ص ٣١٤، الخصال، الشيخ الصدوق، ج ١، ص ٨٤، الحكايات، الشيخ المفيد، ص ٩٨ ↑
