![]()
سوء تقدير و توقير الناس عند تقلبات الدهر
«إذا أقبلت الدنيا على أحد أعارته محاسن غيره، و إذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه»
محمد جواد الدمستاني
إشارة إلى الخلل الاجتماعي في تقدير و توقير الناس في تقلبات الدهر، فإنهم يقبلون إذا أقبلت الدنيا على شخص و ينسبون إليه محاسن و مزايا ليست له، و يُعرضون عنه إذا أدبرت عنه و يسلبونه محاسن له، روي عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة قوله: «إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَى أَحَدٍ أَعَارَتْهُ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ، وَ إِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُ سَلَبَتْهُ مَحَاسِنَ نَفْسِهِ»1.
العارية هي ما يُعطى للغير على أن يعيده إلى صاحبه، الفعل عار إعارةً، و استعار استعارة، و هي عقد بين طرفين، مفاده الانتفاع من العين على بقائها بلا عوض، أراد بها عليه السلام هنا المدة القصيرة غير الدائمة فهي محاسن وقتية تُعطى ثم تزول عنه في الدنيا أو بعدها.
و هذا هو حال الدنيا المتقلّب في كل الأزمنة و الأمكنة، و الناس يميلون مع تقلباتها، فقد تعطي أناسا لا يستحقون صفات و أفعال وهمية ليست لهم، و قد تنتزع ممن يستحق صفاته و أفعاله الحقيقية.
فإذا أقبلت الدنيا على أحد، و جاءت بخيراتها، و أُتيح له أشياء من أسباب السعادة الدنيوية من مال و منصب و مكانة و نفوذ فحسن وضعه نسبوا إليه مكارم و مفاخر و محاسن لم يفعلها أو صفات حسنة ليست فيه، فهي محاسن غيره، ألقاب لا يستحقها، و أوصاف ليست فيه، و مشاريع لا علاقة له بها، و قصور بناها غيره، و أموال ادّخرها غيره، و جاه و منزلة كافح لأجلها غيره، تنسب إليه و يُشاد به بسببها، و يُمدح و يُثنى عليه بما ليس فيه و لا من فعله، و يعظّم بما لا يستحق، فيوصف مثلا بالعادل و هو ظالم، أو بالشجاع و هو جبان.
و التحذير هو من الانخداع بالدنيا فقد يوفق الإنسان لمقام أو ثروة فيخلّف آثارا وهمية من الاحترام و الإطراء، و يُثنى عليه بسبب مقامه و ثروته لا بسبب شخصه، فإياك أن تُخدع.
و إذا أدبرت الدنيا و ولّت عنه أسباب السعادة الظاهرية من مال و مقام جرّدوه من مكارمه و مفاخره و محاسنه الحقيقية و نسبوها إلى غيره، فلا يقدّر علمه، و لا تُحفظ منزلته و مقامه، و يقلّل من شأنه، و يسلب منه ما كان قد صنع، و يُهمل، و تنسب قصوره و أمواله و منزلته و مشاريعه إلى الآخرين.
2 / 3
و التحذير هنا من زينة الدنيا و الانخداع بتقييم الناس الظاهري و ذمهم عند الإدبار، فلا يجعله ميزان تقييم، فإنهم قد يميلون مع الدنيا، بل يجب أن يكون ميزانه رضا الله سبحانه و تعالى.
و تشمل الحكمة الحث على الثبات على القيم و المبادئ و الحفاظ على الفضائل دون النظر إلى التقييم السلبي للناس أو اليأس حين ذمهم.
و رويت في غرر الحكم عن أمير المؤمنين (ع) «إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَى عَبْدٍ كَسَتْهُ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُ سَلَبَتْهُ مَحَاسِنَهُ»2، و من الحكم المنسوبة لأمير المؤمنين (ع) قوله: «إذا أيسَرتَ فَكلُّ الرجالِ رِجالُك، وإذا أعسَرتَ أنكَرَكَ أهلُكَ»3.
و هذه نظرة قاصرة فإنّ تقييم و تقدير الناس و تعظيمهم ينبغي أن يكون على قدر تقواهم و ورعهم و ما يقدّمونه للناس لا على مستوى أموالهم و مناصبهم.
و في هذا روي عن أمير المؤمنين (ع) «الْغِنَى فِي الْغُرْبَةِ وَطَنٌ، وَ الْفَقْرُ فِي الْوَطَنِ غُرْبَةٌ»4، و «الْفَقْرُ يُخْرِسُ الْفَطِنَ عَنْ حُجَّتِهِ، وَ الْمُقِلُّ غَرِيبٌ فِي بَلْدَتِهِ»5، فإنّ الغنى و إقبال الدنيا تجلب الأصدقاء و مدحهم و تعظيمهم، كما أنّهم يبتعدون عن الفقير و ينفرون منه، فالناس عامة تمدح و تثني على الغني و توقّره، و تغفل أخطاؤه و تتغاضى عن زلاته و إن كان سيئا و سخيفا، حتى إذا افتقر و أدبرت عنه الدنيا نفروا منه و جرّدوه من تعظيماتهم، ففي إقبال الدنيا تصبح الغربة وطن، و في إدبارها يصبح الوطن غربة.
و يستفاد من الحكمة الانتباه و الحذر من مدح و ثناء الآخرين عليه فلا يغترّ المؤمن لمدح و لا يُخدع بإطراء، و قد نهى رسول الله عن المدح، قال (ص): «اُحْثُوا فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ»6، و قال أمير المؤمنين (ع) عليه السلام لرجل أفرط في الثناء عليه و كان له متّهماً: «أَنَا دُونَ مَا تَقُولُ، وَ فَوْقَ مَا فِي نَفْسِكَ»7.
و الحكمة عامة و مصاديقها كثيرة و هي تحدث في كل زمان و مكان، و مثالها البارز هم أصحاب النفوذ و الحكام، بل الحكام أنفسهم، و قد شهدنا في عصرنا هذا حكاما يُثنى عليهم ليلا و يقبض عليهم نهارا، بعد ساعات، بالليل كان فخامة الرئيس و الحاكم المطلق و في النهار يُجَرجَر به في المحاكم أو يقتل في الشوارع، و كذا أصحابهم و مستشاريهم و وزرائهم، و في التاريخ لعل مثال البرامكة و هارون العباسي مصداق واضح
3 / 3
في إقبال الدنيا عليهم و إدبارها، و العاقبة للمتقين، و «إنَّ الدَّهْرَ يَوْمَانِ يَوْمٌ لَكَ وَ يَوْمٌ عَلَيْكَ، وَ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ دُوَلٍ»8.
و هذا حال الحياة الدنيا فلا يغترّ إنسان بإقبالها عليه و لا يغتم من إدبارها عنه، فهي غير مأمونة قد تأتي لمن لا يستحق و تدبر عمّا يستحق، و قد قال أمير المؤمنين (ع): «إِنَّ الدُّنْيَا رُبَّمَا أَقْبَلَتْ عَلَى الْجَاهِلِ بِالاتِّفَاقٍ، وَ أَدْبَرَتْ عن الْعَاقِلِ بِالاسْتِحْقَاقِ، فَإِنْ أَتَتْكَ مِنْهَا سَهْمَةٌ مَعَ جَهْلٍ، أَوْ فَاتَتْكَ مِنْهَا بَغِيَّةٌ مَعَ عَقْلٍ، فَإِيَّاكَ أَنْ يَحْمِلَكَ ذَلِكَ عَلَى الرَّغْبَةِ فِي الْجَهْلِ وَ الزُّهْدِ فِي الْعَقْلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُزْرِي بِكَ وَ يُرْدِيكَ»9.
بل يجب أن يغتنم المؤمن إقبالها عليه في الخير و العمل الصالح و صلاح المجتمع و البشرية، و فيما روي عن أمير المؤمنين «أَقْبِلُوا عَلَى مَنْ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَإِنَّهُ أَجْدَرُ بِالْغِنَى»10، أي أكثر استحقاقا و أهلا بالسعة و اليسار.
و في حكمة أخرى يبيّن أمير المؤمنين (ع) ميول كثير من الناس لأهل الدنيا بأنهم أبناؤها، قال عليه السلام: «النَّاسُ أَبْنَاءُ الدُّنْيَا وَ لَا يُلَامُ الرَّجُلُ عَلَى حُبِّ أُمِّهِ»11، فهو يميل بميلها.
1 – نهج البلاغة، حكمة 9
2 – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٩٠، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ١٣٤، عيون أخبار الرضا (ع)، الشيخ الصدوق، ج ٢، ص ١٣٨ عن الإمام الصادق (ع) (إِذَا أَقْبَلَتِ اَلدُّنْيَا عَلَى إِنْسَانٍ أَعْطَتْهُ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ وَ إِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُ سَلَبَتْهُ مَحَاسِنَ نَفْسِهِ)، بحار الأنوار، ج ٦٩، العلامة المجلسي، ص ٦٤، و في بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج ٧٥، ص ٢٠٥ (إذا أقبلت الدنيا على المرء أعطته محاسن غيره ، وإذا أعرضت عنه سلبته محاسن نفسه).
3 – شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج ٢٠ ص ٢٨٩، حكمة 309
4 – نهج البلاغة، حكمة 56
5 نهج البلاغة، حكمة 3
6 – من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، ج٤، ص١١، الأمالي، الشيخ الصدوق، ص٥١٢
7 – نهج البلاغة، حكمة 83
8 – نهج البلاغة، كتاب 72، من كتاب له ( عليه السلام ) إلى عبد الله بن العباس: (أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكَ لَسْتَ بِسَابِقٍ أَجَلَكَ وَ لَا مَرْزُوقٍ مَا لَيْسَ لَكَ وَ اعْلَمْ بِأَنَّ الدَّهْرَ يَوْمَانِ يَوْمٌ لَكَ وَ يَوْمٌ عَلَيْكَ وَ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ دُوَلٍ فَمَا كَانَ مِنْهَا لَكَ أَتَاكَ عَلَى ضَعْفِكَ وَ مَا كَانَ مِنْهَا عَلَيْكَ لَمْ تَدْفَعْهُ بِقُوَّتِكَ).
9 – غرر الحكم و درر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٤٩، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ١٣١
10 – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ١٥٤، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ١٣٣
11 – نهج البلاغة، حكمة 303
