![]()
بعض سمات عصر ظهور المهدي المنتظر (عج)
«يعطف الهوى على الهدى إذا عطفوا الهدى على الهوى، و يعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي»
محمد جواد الدمستاني
في ذكر الملاحم روى الشريف الرضي جزءًا من خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام يشير إلى حفيده منقذ البشرية الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، و فيها بعض سمات عصر ظهوره، قال (ع): «يَعْطِفُ الْهَوَى عَلَى الْهُدَى إِذَا عَطَفُوا الْهُدَى عَلَى الْهَوَى، وَ يَعْطِفُ الرَّأْيَ عَلَى الْقُرْآنِ إِذَا عَطَفُوا الْقُرْآنَ عَلَى الرَّأْيِ»[1]، و منها: «حَتَّى تَقُومَ الْحَرْبُ بِكُمْ عَلَى سَاقٍ، بَادِياً نَوَاجِذُهَا، مَمْلُوءَةً أَخْلَافُهَا، حُلْواً رَضَاعُهَا، عَلْقَماً عَاقِبَتُهَا، أَلَا وَ فِي غَدٍ وَ سَيَأْتِي غَدٌ بِمَا لَا تَعْرِفُونَ، يَأْخُذُ الْوَالِي مِنْ غَيْرِهَا عُمَّالَهَا عَلَى مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا، وَ تُخْرِجُ لَهُ الْأَرْضُ أَفَالِيذَ كَبِدِهَا، وَ تُلْقِي إِلَيْهِ سِلْماً مَقَالِيدَهَا، فَيُرِيكُمْ كَيْفَ عَدْلُ السِّيرَةِ، وَ يُحْيِي مَيِّتَ الْكِتَابِ وَ السُّنَّةِ»[2]، تحتوي هذه الفقرة من الخطبة من نهج البلاغة بعض سمات و ملامح عصر الظهور، و منها:
الهداية و إزالة الضلالات
يقوم الإمام عجّل الله فرجه الشريف بإجراءات كثيرة في المجتمع الإسلامي و العالمي، و منها أنّه يغلّب الهدى على الهوى و هذا يعني أنّ إحدى سمة عصر ما قبل الظهور في بعض مناطق العالم الإسلامي تغليب للهوى و اتّباع للأهواء بعيدا عن الهدى و الصواب، فيقوم الإمام (ع) بتصحيح هذا الاعوجاج، فــ «يَعْطِفُ الْهَوَى عَلَى الْهُدَى إِذَا عَطَفُوا الْهُدَى عَلَى الْهَوَى».
فبعد أن كان قسم من الناس قد عطفوا الهدى و الدين و أحكامه على أهوائهم لتوافق أغراضهم، و يفسرون الدين و أحكامه طبقا لرغباتهم و مصالحهم، أو تأويلاتهم المنحرفة، يقوم (عج) حين ظهوره بجعل الهداية و الحق هما الأصل، و يرجع الناس إلى صفاء و نقاء الدين الصحيح.
و هذه السمة من الانحراف و الضلال و تغليب الهوى موجودة في كثير من المناطق الإسلامية في الحاكم و المحكوم و حتى في بعض مشايخ المسلمين حيث مال بعضهم إلى الانجرار وراء الهوى و التبعية للأهواء، حتى أصبح بعض المشايخ وقودا للفتنة و مرتزقة للظالمين و الجائرين، و يتبعهم أناس جهلا أو تعصبا أو لمصالح شخصية، فإذا خرج الإمامُ ردَّ تلك الانحرافات إلى الصراط المستقيم فتهتدي الأمم بظهوره.
تأصيل و تقديم القرآن
يجعل الأصل هو القرآن و يقدّمه، و يطرح كل ما يخالفه و يتركه فلا يعطيه أهمية و لا اعتبار، و لا رأي مقابل القرآن، فيصلح (عج) الاعوجاج بردّ الرأي و القياس و الظن و الآراء الفاسدة إلى القرآن، و يزيل الانحيازات الشخصية في النصوص الشرعية غير المستندة على القرآن إلى القرآن، فيأخذ ما وافقه دون ما خالفه، قال (ع): «يَعْطِفُ الرَّأْيَ عَلَى الْقُرْآنِ إِذَا عَطَفُوا الْقُرْآنَ عَلَى الرَّأْيِ»، و المعنى يشمل وجوب العمل بالقرآن و آياته و معانيه و جعله الأصل و تحذير من إهمال القرآن أو تقديم غيره عليه، أو إهماله و عدم العمل به، و ألا يُستغل الدين الذي ينظّم شؤون الناس و يرفع عنهم الجور في ظلمهم، فليس من الدين طاعة الحاكم الظالم و الله ينص في كتابه الكريم بعدم الركون للظالمين، «وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ»[3]، و ليس من الدين تفسير القرآن بالأهواء السياسية للحكام و المتنفذين، فيجعل (عج) القرآن هو الحاكم و هو الدستور الحقيقي و المنهج و المرجع.
حروب شديدة قبل و بعد الظهور
و تحدث عدد من الحروب الصغيرة الإقليمية أو الكبيرة العالمية قبل ظهور الإمام (ع) و منها ما رُوي عن الحرب الكبرى قبل الظهور و يُقتل فيها ثلثا العالم أو خمسه أسباعهم، أو تسعة أعشارهم، و بعد الظهور المبارك تحدث عدد من الحروب و منها الحرب العظمى لفتح بيت المقدس، و في هذا النص يذكر الإمام (ع) شدة الحرب بعدة صفات، قال (ع): «حَتَّى تَقُومَ الْحَرْبُ بِكُمْ عَلَى سَاقٍ، بَادِياً نَوَاجِذُهَا، مَمْلُوءَةً أَخْلَافُهَا»، و أنها قد تستهوى و تستحلى حين اعلانها و بدايتها و يصفق لها أهل الجهل، و يعلقون عليه آمالًا، مع طمع في النصر في بدايتها و التصفيق لها «حُلْواً رَضَاعُهَا»، فإذا وقعت عمّ الخراب و الدمار، و انتشرت آثارها في مجالات عديدة، فنهايتها مرة مريرة، «عَلْقَماً عَاقِبَتُهَا».
و هذا وصف دقيق فكثير من الحروب أولها و ظاهرها حلو كالشعارات الرنانة و المصالح القومية و الوعود و الطمع في الغنائم و آخرها كوارث و دمار و خراب و فوضى، و قد يدخل قادة مغرورون أو جنود مخدوعون الحروب و يخرجون مهزومين و منكسرين مثقلين بالمصائب.
و مصداق الكلام هي حروب الاستكبار بقيادة أمريكا في العقود الماضية حتى هذا اليوم، حرب بعد حرب، يدخل الاستكبار هذه الحروب طامعا بالاستيلاء على النفط و الغاز و معادن الدول و السيطرة عليهم و الاستحواذ على ثرواتها، فيشن حروبا لأجلها ثم ما يلبث أن يلاقي المصائب و الهجمات ضده و الخسائر الاقتصادية و الأخلاقية و الإنسانية و الاجتماعية فيخرج مهزوما صاغرا، بعد أن سفك الدماء و خرّب البلاد.
الظهور و التغيّرات السياسية
و خروج المهدي (عجّ) مؤكد لا ريب فيه و متفق عليه عند كل المسلمين، و الفارق أنّ الشيعة يتعاملون مع روايات الظهور بجدّ و ينتظرون بصدق و يعتقدون عمليا بالمهدي (عج)، و غيرهم يروون روايات ظهور المهدي في كتبهم لكن دون اعتقاد حقيقي عام و دون ترقب أو انتظار، أما وقت الظهور فهو مجهول و سيأتي و معه سيتغير العالم من مشرقه إلى مغربه، قال (ع): «أَلَا وَ فِي غَدٍ وَ سَيَأْتِي غَدٌ بِمَا لَا تَعْرِفُونَ»، إشارة إلى تغيّرات سياسية و اجتماعية كبرى مؤكدة تحصل في العالم، غير متوقعة تماما و غير مألوفة عند الناس، تنهار فيها قوى و تصعد أخرى، و تتغير البلاد و ما عليها.
الانتقام من الظالمين و تغيير أنظمة الحكم
و لإقامة العدل يقوم الإمام (ع) بكثير من الإجراءات، و منها ما يتعلق بالولاة قال (ع): «يَأْخُذُ الْوَالِي مِنْ غَيْرِهَا عُمَّالَهَا عَلَى مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا»، فيقوم بإقالة الظالمين، و الرواية عن رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «وَيْحَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ مُلُوكٍ جَبَابِرَةٍ كَيْفَ يَقْتُلُونَ وَيُخِيفُونَ الْمُطِيعِينَ إِلَّا مَنْ أَظْهَرَ طَاعَتَهُمْ، فَالْمُؤْمِنُ التَّقِيُّ يُصَانِعُهُمْ بِلِسَانِهِ وَ يَفِرُّ مِنْهُمْ بِقَلْبِهِ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُعِيدَ الْإِسْلَامِ عَزِيزاً قَصَمَ كُلَّ جَبَّارٍعَنِيدٍ، وَ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى مَا يَشَاءُ أَنْ يُصْلِحَ أُمَّةً بَعْدَ فَسَادِهَا، فَقَالَ (ع): يَا حُذَيْفَةُ لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ وَاحِدٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي تَجْرِي الْمَلَاحِمُ عَلَى يَدَيْهِ، وَيُظْهِرُ الْإِسْلَامَ لَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ»[4].
هذا يعني تغيير الحكم من أصله، فينهي الأنظمة الحاكمة، و هي أنظمة ترتكز على القوة، و المال و النفوذ، و الإعلام الكاذب، و المصالح الشخصية، و يغيّر حكام الجور و الظلم، و يحاسبهم على أعمالهم و ظلمهم، فالعدل يتطلب أن يأتي عادلون لاستلام المسؤوليات.
و هذا يستدعي محاسبة الحكام و الولاة و المسؤولين على ظلمهم، و مراقبتهم على أعمالهم، و إبعاد ثغرات الظلم من نفوذ و قبائل و واسطات و مصالح، و إزالة الفاسدين تماما من أجهزة الدولة، و تطهير إدارات الدولة من كل منافذ الفساد و الخراب، فيُعاد بناء كل مواقع الدولة الواحدة و مؤسساتها، و حتى الوصول إلى تلك الدولة الفاضلة يلزم تطهير كل إداراتها و اقتصادها و عسكرها و إعلامها و مجتمعها فلا تبقى ثغرة فساد في ذلك كله و لا فاسد و لا ظالم.
خروج كنوز الأرض
و من سمات عصر الظهور الخير العام، فتُخرج الأرض خيراتها، قال (ع): «وَ تُخْرِجُ لَهُ الْأَرْضُ أَفَالِيذَ كَبِدِهَا»، و المعنى هنا تُخرج الأرض كنوزها و ما تحتوي عليه من معادن نفيسة، كالذهب والفضّة والأحجار الكريمة و النفط و الفحم و الغاز الطبيعيّ، و غيرها، و رُوي عن الإمام الباقر (ع): «و تخرج الأرض كنوزها من الذهب والفضة»[5]، في الرواية عن الإمام الباقر (ع): «إذا قام قائم أهل البيت قسم بالسوية، و عدل في الرعية، فمن أطاعه فقد أطاع الله و من عصاه فقد عصى الله، و إنما سمي المهدي مهديا لأنه يهدي إلى أمر خفي، و يستخرج التوراة و سائر كتب الله عز وجل من غار بأنطاكية، و يحكم بين أهل التوراة بالتوراة، و بين أهل الإنجيل بالإنجيل، و بين أهل الزبور بالزبور، و بين أهل القرآن بالقرآن، و تجمع إليه أموال الدنيا من بطن الأرض وظهرها، فيقول للناس: تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام ، و سفكتم فيه الدماء الحرام، و ركبتم فيه ما حرم الله عز وجل، فيعطي شيئا لم يعطه أحد كان قبله، و يملأ الأرض عدلا و قسطا و نورا كما ملئت ظلما و جورا و شرا»[6].
و هذه الكنوز قد تشمل بركات الأرض في خصوبتها العالية، و تشبّعها بالأمطار، و كميات الإنتاج المضاعفة، و المحاصيل الجيدة، و هذه الكنوز و الثروات و الخيرات توضع في مواضعها الصحيحة في ظل نظام عادل عام لعموم الناس لا لفئة محدودة مميزة.
نزول قطر السماء، و نبات الأرض، و ثمار الشجر، و هدوء الوحوش، و تغيّر النفوس، و انبساط الأمن
تنزل السماء قطرها و تنبت الأرض و تتغير نفوس العباد و يعم الأمان كما رُوي عن أمير المؤمنين (ع) أنّه قال: «لو قد قام قائمنا لأنزلت السماء قطرها، و لأخرجت الأرض نباتها، و ذهبت الشحناء عن قلوب العباد، و اصطلحت [السباع] و البهائم حتّى تمشي المرأة بين الشام و العراق لا تضع قدما إلّا على النبات، و على رأسها مكتلها لا يهيجها سبع و لا تخافه»[7].
فالخير و البركة تعم في قطر السماء و نبات الأرض و ثمار الشجر و هدوء الوحوش و عموم الأمن و الرواية عن أمير المؤمنين (ع): «ثم يسير إلى مصر فيصعد منبره، فيخطب الناس فتستبشر الأرض بالعدل، و تعطي السماء قطرها، والشجر ثمرها، الأرض نباتها، و تتزين لأهلها، و تأمن الوحوش حتى ترتعي في طرق الأرض كأنعامهم، و يقذف في قلوب المؤمنين العلم،..، و تخرج لهم الأرض كنوزها، و يقول القائم: كلوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية»[8].
التسليم و الانقياد لصاحب الأمر
و السمة الأخرى في عصر الظهور هو التسليم و الانقياد لصاحب الأمر و الزمان المهدي المنتظر (ع)، لا احتجاج أو اعتراض و لا تمرّد أو عصيان، و يعترف العالم كله بقيادته و يقرّ بسلطته و لا نزاع قال (ع): «وَ تُلْقِي إِلَيْهِ سِلْماً مَقَالِيدَهَا»، و التقدير يلقي أهل الأرض مقاليدها سلما إلى الإمام المهدي (ع)، كناية عن طاعتهم و انقيادهم للمهدي (ع) و صيرورتهم تحت أوامره و حكمه، و المعنى العام هو تسليم السلطات و مقاليد الحكم و مفاتيح الخزائن من بنوك و غيرها لصاحب الأمر، و لعل هذا الأمر لا يكون ابتداء و لكنه متحقق حتما بعد ظهوره و ثبات دولته، ليكون العالم كله دولة واحدة تحت قيادته (ع).
و رُوي عن الإمام الصادق (ع) «إذا قام القائم عليه السلام حكم بالعدل، و ارتفع في أيامه الجور، و آمنت به السبل، و أخرجت الأرض بركاتها، و رد كل حق إلى أهله، و لم يبق أهل دين حتى يظهروا الإسلام و يعترفوا بالايمان، أما سمعت الله عز وجل يقول: « وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ »[9]، وحكم في الناس بحكم داود، و حكم محمد صلى الله عليه و آله و سلم، فحينئذ تظهر الأرض كنوزها، و تبدي بركاتها، فلا يجد الرجل منكم يومئذ موضعا لصدقته و لا لبره لشمول الغنى جميع المؤمنين»[10].
و عن الإمام الباقر (ع) أنه قال: «المنصور القائم منّا منصور بالرُعب، مؤيّد بالنصر، تُطوى له الأرض، و تُظهر له الكنوز، و يبلغ سلطانه المشرق و المغرب، و يُظهر اللَّه دينه على الدّين كلّه و لو كره المشركون، فلا يبقى في الأرض خرابٌ إلّا عُمِّرَ، و يَنزل روح اللَّه عيسى ابن مريم فيُصلّي خلفه»[11].
إقامة العدل و تطور العلم
و من سمات عصر الإمام قيامه (ع) العدل العام، «فَيُرِيكُمْ كَيْفَ عَدْلُ السِّيرَةِ»، فيحق الحق و يزهق الباطل فينتشر العدل في عصره، و ينتهي الظلم و الجور الرائج في الأزمنة المتراكمة من القرون الماضية، فيملأ الأرض عدلا وقسطا بعد ما ملئت ظلما و جورا، رُوي عن النبي (صلّى الله عليه و آله) «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث الله رجلا من أهل بيتي يملأها عدلا كما ملئت جورا»[12].
إقامة العدل يشمل كل جوانبه فيكون مجسدا في كل الأعمال في كل جوانب الحياة؛ و في منع كل أنواع الظلم و الانتهاكات مهما صغرت، و في الحكم و المساواة بين الناس، و توزيع الثروات، و في نفي الطبقات و الامتيازات، و في المال و الثروة و الاقتصاد و الأرزاق و تقسيمهم فلا يبقى جائع أو محروم، بل لا يرى أحد يحتاج إلى عطاء أو صدقة، فيكون عدل شامل فتشرأب أعناق الخلائق إليه في عصره، و يُشربون حبه.
إقامة العدل الكامل على غير ما اعتاد عليه الناس يتطلب القيام بإجراءات ضرورية بعد تفشي أنواع الظلم و الجور في القرون الماضية، عدل شامل و ليس عدلا و إصلاحا جزئيا مما يستدعي تغييرا كليا للمجتمعات البشرية من أقصى الأرض إلى أقصاها، ليتحقق و يثبت العدل الكامل و الأمن العام و الكرامة الإنسانية للناس جميعا.
و الإنسان في ظل العدل ليس هو في عهود الظلم فإنّ عدم القتل و القمع و الظلم و الجهل سينتج عنه تطورا هائلا في العلوم و المعرفة و الإنتاج و الوعي، و يضيف الإمام (ع) 25 درجة من العلم فوق درجتين تكونان عند ظهوره (ع) ليكون المجموع 27 درجة بمعنى أنّ الإنسان سيرى اكتشافات و اختراعات و علوم جديدة لم يعهدها من قبل و لم يعرفها و لم يتوقعها أو يتصورها، فينشر العلوم في عصره بما لم تكن في أي عصر سابق، علوم الكتاب و السنة، و العلوم الطبيعية العامة و التكنولوجيا، و في الرواية عن الإمام الصادق (ع): «قال العلم سبعة و عشرون حرفا، فجميع ما جاءت به الرسل حرفان فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين، فإذا قام القائم (ع) أخرج الخمسة و العشرين حرفا فبثها في الناس و ضم إليها الحرفين حتى يبثها سبعة وعشرين حرفا»[13].
و في رواية عن أمير المؤمنين (ع) «و يقذف في قلوب المؤمنين العلم فلا يحتاج مؤمن إلى ما عند أخيه من علم، فيومئذ تأويل هذه الآية «يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ)[14]» [15].
إحياء القيم الإسلامية
و يحيي ما اندرس من آيات الكتاب و السنة النبوية «وَ يُحْيِي مَيِّتَ الْكِتَابِ وَ السُّنَّةِ»، فهو (ع) يعيد ما تركه الناس من الكتاب و السنة، و يطبق القرآن و كل ما خفى عن البشر من آياته أو أهملوه في حياتهم، فيحيى سنة رسول الله (ص) و ينهي الانحرافات و الضلالات و البدع التي يقوم بها الناس باسم الدين و الإسلام و هي ليست من الدين، و يعمل بما عطّل من الأحكام و الحدود، و السنن التي نُسيت، و المفاهيم التي حُرّفت، و البدع التي أدخلت، فيعمل بالسنن الصافية النقية و يحيى الدين في ضمائر العالم.
دولة الأمن و السلام و الرفاه
فيعيش الناس في دولة أهل البيت منعمين مكرّمين، دولة ينقشع عنها الظلم و الظلام و الظالمون، و تنتهي فيها الحروب و الفتن، و ينتشر فيها الأمن و الأمان، و تعم فيها خيرات الأرض و بركات السماء، و ينتهي الفقر و الحرمان، و تنتشر القيم و الأخلاق، فيكون عالم آخر غير مألوف فيما سبقه من العوالم، في كل النواحي و الجهات الشرعية و الفكرية و العلمية و الحكم و الإدارة، و العدل و القضاء، و الأمن و الأمان، و العلاقات الاجتماعية، و الأرزاق و الثروات.
و تتغير نظرة الإنسان في عصره فلا يكون كما هو هذا الإنسان مع التطور العلمي و الروحي و النفسي و الاجتماعي الكبير في عصر الظهور بل يكون أكثر إدراكا و وعيا و صفاء و نقاء، و يكون وضعه الأخلاقي أرقى في الصدق و الرحمة و الوفاء و الأمانة و حبّ الخير و احترام الآخرين.
إنّ ظهور الإمام (ع) هو الثورة العظمى في التاريخ الإنساني بكل مجالاته، فلا يشبه ما قبله و لا يأتي غيره بعده، «اللَّهُمَّ أَرِنِي الطَّلْعَةَ الرَّشِيدَةَ، وَ الْغُرَّةَ الْحَمِيدَةَ، وَ اكْحُلْ نَاظِرِي بِنَظْرَةٍ مِنِّي إِلَيْهِ، وَ عَجِّلْ فَرَجَهُ، وَ سَهِّلْ مَخْرَجَهُ، وَ أَوْسِعْ مَنْهَجَهُ، وَ اسْلُكْ بِي مَحَجَّتَهُ، فَأَنْفِذْ أَمْرَهُ، وَ اشْدُدْ أَزْرَهُ، وَ اعْمُرِ اللَّهُمَّ بِهِ بِلَادَكَ، وَ أَحْيِ بِهِ عِبَادَكَ»[16].
-
– نهج البلاغة، خطبة 138، و من خطبة له ( عليه السلام ) يومئ فيها إلى ذكر الملاحم:
يَعْطِفُ الْهَوَى عَلَى الْهُدَى إِذَا عَطَفُوا الْهُدَى عَلَى الْهَوَى وَ يَعْطِفُ الرَّأْيَ عَلَى الْقُرْآنِ إِذَا عَطَفُوا الْقُرْآنَ عَلَى الرَّأْيِ.
و منها : حَتَّى تَقُومَ الْحَرْبُ بِكُمْ عَلَى سَاقٍ بَادِياً نَوَاجِذُهَا مَمْلُوءَةً أَخْلَافُهَا حُلْواً رَضَاعُهَا عَلْقَماً عَاقِبَتُهَا أَلَا وَ فِي غَدٍ وَ سَيَأْتِي غَدٌ بِمَا لَا تَعْرِفُونَ يَأْخُذُ الْوَالِي مِنْ غَيْرِهَا عُمَّالَهَا عَلَى مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا وَ تُخْرِجُ لَهُ الْأَرْضُ أَفَالِيذَ كَبِدِهَا وَ تُلْقِي إِلَيْهِ سِلْماً مَقَالِيدَهَا فَيُرِيكُمْ كَيْفَ عَدْلُ السِّيرَةِ وَ يُحْيِي مَيِّتَ الْكِتَابِ وَ السُّنَّةِ. ↑
-
– المصدر السابق، نهج البلاغة، خطبة 138 ↑
-
– سورة هود، آية 113 ↑
-
– كشف الغمة في معرفة الأئمة ( ط . ق )، علي بن أبي الفتح الإربلي، ج٢، ص٤٧٢ ↑
-
– شرح الأخبار، القاضي النعمان المغربي، ج ٣، ص ٣٩٧ ↑
-
– الغيبة، ابن أبي زينب النعماني، ص ٢٤٣، و رواها في شرح الأخبار باختلاف يسيرالقاضي النعمان المغربي، ج ٣، ص ٣٩٧ ↑
-
– سرور أهل الإيمان في علامات ظهور صاحب الزمان (عج)، السيد بهاء الدين علي النيلي النجفي، ص ٧٧ ↑
-
– بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج ٥٣، ص ٨٥ (و يسير الصديق الأكبر براية الهدى، و السيف ذي الفقار، و المخصرة، حتى ينزل أرض الهجرة مرتين و هي الكوفة، فيهدم مسجدها و يبنيه على بنائه الأول، و يهدم ما دونه من دور الجبابرة، و يسير إلى البصرة حتى يشرف على بحرها، و معه التابوت، وعصى موسى، فيعزم عليه فيزفر في البصرة زفرة فتصير بحرا لجيا لا يبقى فيها غير مسجدها كجؤجؤ السفينة، على ظهر الماء. ثم يسير إلى حرورا حتى يحرقها و يسير من باب بني أسد حتى يزفر زفرة في ثقيف، وهم زرع فرعون. ثم يسير إلى مصر فيصعد منبره، فيخطب الناس فتستبشر الأرض بالعدل، و تعطي السماء قطرها، والشجر ثمرها، الأرض نباتها، و تتزين لأهلها، و تأمن الوحوش حتى ترتعي في طرق الأرض كأنعامهم، و يقذف في قلوب المؤمنين العلم فلا يحتاج مؤمن إلى ما عند أخيه من علم ، فيومئذ تأويل هذه الآية (يغن الله كلا من سعته)، و تخرج لهم الأرض كنوزها، و يقول القائم: كلوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية، …) ↑
-
– سورة آل عمران، آية 83 ↑
-
– كشف الغمة في معرفة الأئمة، علي بن أبي الفتح الإربلي، ج ٣، ص ٢٦٤ ↑
-
– كشف الغمة في معرفة الائمة ( ع ) ( المجمع العالمي )، علي بن أبي الفتح الإربلي، ج ٤، ص ٣٠١ ↑
-
– مناقب الإمام أمير المؤمنين (ع)، محمد بن سليمان الكوفي، ج ٢، ص ١٧٣ ↑
-
– مختصر بصائر الدرجات، حسن بن سليمان الحلي، ص ١١٧، سرور أهل الإيمان في علامات ظهور صاحب الزمان ( عج )، السيد بهاء الدين علي النيلي النجفي، ص ٧٧، نوادر الأخبار فيما يتعلق بأصول الدين، الفيض الكاشاني، ص ٢٧٨، بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج ٥٢، ص ٣٣٦ ↑
-
– سورة النساء، آية 130 ↑
-
– بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج ٥٣، ص ٨٥ ↑
-
– مصباح الزائر، السيد ابن طاووس، ص ٤٥٦ (دعاء العهد) ↑
