محمد جواد الدمستانيمحمد جواد الدمستاني

Loading

الخضاب زينة و نحن في مصيبة

محمد جواد الدمستاني

الخضاب زينة و أُنس و مظهر قوة

قيل لأمير المؤمنين عليه السلام لَوْ غَيَّرْتَ شَيْبَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ (ع) : «الْخِضَابُ زِينَةٌ وَ نَحْنُ قَوْمٌ فِي مُصِيبَةٍ»[1].

قال الشريف الرضي : يُرِيدُ وَفَاةَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله).

أي مصيبة وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله).

و الشيب هو بياض الشعر، و الخضاب هو صبغ الشعر أو الأعضاء بالحناء أو غيره، و هو من الأمور الجمالية التي تُعتبر زينة، و «الْخِضَابُ زِينَةٌ»، أي أنّ الخضاب يشير إلى أجواء من الفرح و السرور و الابتهاج و السعادة، و هذا يتنافي مع أجواء الحُزن و المصيبة، و لم يخضب الإمام عليه السلام شيبَه لأنّه في مصيبة و هي وفاة رسول الله (ص)، و قد يكون مطلق المصيبة.

الشريف الرضي ذكر أنّ كلمة المصيبة هنا هي وفاة رسول الله (ص)، و هي أعظم المصائب على أمير المؤمنين و على الأمة الإسلامية، و كان عليه السلام في سن يزيد على الثلاثين قليلا و هو سن يبعد أن يكون فيه الشيب أو أن يكون كثيرا واضحا و يسئل عن تخضيبه، و بعد رحيل الرسول صلوات الله عليه توالت المصائب على آله عليهم السلام فجرت أحداث السقيفة و استشهدت الزهراء (ع) و لما أتت الخلافة إليه (ع) طائعة خرج القاسطون و الناكثون و المارقون لمحاربته، فلعل المصيبة هنا هي مجموع المصائب و الفتن التي كانت تدور بالمسلمين و مصيبة حال الإمة الإسلامية حينها و عدم طاعتها لإمامها، و لعل وقت هذا الكلام أواخر عمره الشريف حيث ينتظر أن يخضب أشقى الآخرين شيبته بدمه الزكي كما أخبره رسول الله (ص).

فقد ذكرت بعض الروايات أنّ أمير المؤمنين (ع) ما كان يخضب شيبه، انتظارا لتخضيبها بالدم، و في رواية عن ابن نباته قال: «قُلْتُ لِأَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ (ع) مَا مَنَعَكَ مِنَ اَلْخِضَابِ وَ قَدِ اِخْتَضَبَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ؟ قَالَ: أَنْتَظِرُ أَشْقَاهَا أَنْ يَخْضِبَ لِحْيَتِي مِنْ دَمِ رَأْسِي بِعَهْدٍ مَعْهُودٍ أَخْبَرَنِي بِهِ حَبِيبِي رَسُولُ اَللَّهِ (ص)»[2].

و كان النبي (ص) قد أخبر أمير المؤمنين (ع) بشهادته، و في خطبة النبي في استقبال شهر رمضان، قال (ص) «يَا عَلِيُّ أَبْكِي لِمَا يُسْتَحَلُّ مِنْكَ فِي هَذَا اَلشَّهْرِ،كَأَنِّي بِكَ وَ أَنْتَ تُصَلِّي لِرَبِّكَ، وَ قَدِ اِنْبَعَثَ أَشْقَى اَلْأَوَّلِينَ وَ اَلْآخِرِينَ، شَقِيقُ عَاقِرِ نَاقَةِ ثَمُودَ، فَضَرَبَكَ ضَرْبَةً عَلَى قَرْنِكَ فَخَضَبَ مِنْهَا لِحْيَتَكَ»[3].

و بالمعنى العام للمصيبة فإنّ الإمام (ع) يعبّر في الحكمة عن شعور بالأسى و الأسف على وضع الأمة لما وصلت إليه من تقهقر و فتن، و مادام هذه المصائب حاضرة فإنّ أجوائها من الحزن لا يناسب أجواء الفرح من الخضاب و غيره.

و في الخبر في وفاة الإمام الحسن عليه السلام لَمّا وُضِع الإمام الحسن فِي لحده، قال الإمام الحسين عليه السلام:

أَ أَدْهُنُ رَأْسِي أَمْ تَطِيبُ مَجَالِسِي (محاسني) وَ رَأْسُكَ مَعْفُورٌ وَ أَنْتَ سَلِيبٌ‏[4]

فالمصيبة هنا وفاة الإمام الحسن (ع) فلا يناسب التطيب و التزيّن.

و الخضاب زينة و أُنس و قوة و له فوائد متعددة و به روايات في فضله فهو مظهر قوة و صلابة و في نهج البلاغة أيضا «سُئِلَ (عليه السلام) عَنْ قَوْلِ الرَّسُولِ (صلّى الله عليه و آله) غَيِّرُوا الشَّيْبَ وَ لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ، فَقَالَ (ع) : إِنَّمَا قَالَ (ص) ذَلِكَ وَ الدِّينُ قُلٌّ، فَأَمَّا الْآنَ وَ قَدِ اتَّسَعَ نِطَاقُهُ وَ ضَرَبَ بِجِرَانِهِ فَامْرُؤٌ وَ مَا اخْتَارَ»[5].

إشارة إلى أنّه بعد الخضاب يظهر الشخص المخضّب بمظهر الشباب فيبعث هيبة و رهبة في قلوب الأعداء و خاصة في الحروب، بخلاف الشيب في الكهول فإنّه يسبب حماس العدوّ و تشجيعه و جرأته، فالخضاب زينة و كذلك يمثل قوة و عامل معنوي ضد الأعداء و يشعرهم برهبة و رعب و فزع.

وقد ورد عن الإمام الصادق (ع) أنه قال في قول اللّه عزّ وجلّ : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ، قال (ع): «مِنْهُ اَلْخِضَابُ بِالسَّوَادِ»[6]. مطلق القوة تشمل المادية و المعنوية و التربوية.

و روي عن الإمام الباقر (ع) «قَالَ دَخَلَ قَوْمٌ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ص فَرَأَوْه مُخْتَضِباً بِالسَّوَادِ فَسَأَلُوه عَنْ ذَلِكَ فَمَدَّ يَدَه إِلَى لِحْيَتِه ثُمَّ قَالَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّه (ص) فِي غَزَاةٍ غَزَاهَا أَنْ يَخْتَضِبُوا بِالسَّوَادِ لِيَقْوَوْا بِه عَلَى الْمُشْرِكِينَ»[7].

و هو رهبة و أنس أيضا كما في الرواية عن الإمام الصادق (ع) «الْخِضَابُ بِالسَّوَادِ أُنْسٌ لِلنِّسَاءِ ومَهَابَةٌ لِلْعَدُوِّ»[8].

و روي عن الإمام الكاظم (ع) أنّه قال: «فِي الْخِضَابِ ثَلَاثُ خِصَالٍ مَهْيَبَةٌ فِي الْحَرْبِ، ومَحَبَّةٌ إِلَى النِّسَاءِ، ويَزِيدُ فِي الْبَاه»[9].

و تصلح هذه الحكمة «الْخِضَابُ زِينَةٌ وَ نَحْنُ قَوْمٌ فِي مُصِيبَةٍ» أن تكون مثلا يضرب في عدم وضع الأمور مواضعها و مناسباتها فلا يناسب المصيبة الزينة و التزيّن، و إنما يناسبها الحزن، كما يناسب الفرح التزيّن.

و حفظ التوازنات الاجتماعية و الانتباه للمراعات و المداراة في مطلق الأعمال و الأفعال مهمة فتكون بينها ملائمة و مناسبة و ليس بينها تعارض أو تناقض، و منها العلاقة بين المظهر و بين ما يحيط بالإنسان من مصائب أو حوادث.

بل مما ينبغي مراعاة التوازن بين المظهر الشخصي و الجو الخارجي و الاجتماعي العام في مختلف المجالات الممكنة و جعل تناسب و تناغم بين مظهر الإنسان مع الأجواء الاجتماعية للنّاس فلا يناسب الخضاب و النّاس في مصيبة، و لا يناسب لبس الجديد من الثياب بين ممزقي الثياب، و لا التلذذ بأنواع الأطعمة بين الجوعى.

و قد يتوجه لوم و عتاب و توبيخ في المجتمعات المتماسكة حين حصول خلاف ذلك من عدم المراعاة و المداراة و التوازن، و منها حين يقوم الإنسان بالتزيّن و الخضاب في حال حصول مصائب في الأمة من أزمات أو حروب أو كوارث.

و إنّ من الضروري الاهتمام بالقضايا الرئيسية و تقديم الأولويات و هو أمر عقلي و شرعي فالزينة و التجمل مطلوب و مرغوب لكن دون الغفلة عن ما هو أهمّ من القضايا و مثاله هنا المصيبة التي هي عامة و اجتماعية و تمس النّاس بشكل عام بينما الخضاب فردي و يمس الشخص.

و في الجانب السياسي لا ينبغي إلهاء و إشغال المجتمعات بالمظاهر عن القضايا المصيرية، و لا إلهاء النّاس بالرياضة -على أهميتها- و بالمسلسلات التلفزيونية الهابطة، و حفلات الغناء و الرقص لإشغالهم عن أزماتهم و قضاياهم الرئيسية كما تفعل كثير من الأنظمة الفاسدة، و كذا بناء قصور الحكام الضخمة الفخمة و الشعب يعاني الجوع و الألم.

و إنّ الدقة في النظر تعنى التركيز و العناية و تقدير الأمور بحجمها الطبيعي فإنّ كثيرا من الأمور التي تظهر جميلة و مزخرفة من الخارج و هي خلاف حقيقتها من الداخل و قد تخفي داخلها خلل و ألم و مصيبة، و خلاف الدقة الاهتمام الزائد بالمظاهر و الغفلة عن الأزمات و المصائب التي يغرق فيها المجتمع.

و ليس في الحكمة «الخضاب زينة و نحن في مصيبة» دعوة لعدم التزيّن و عدم استعمال الخضاب مطلقا، بل هو مرغوب و مطلوب و روايات كثيرة تحث عليه و في كتب الحديث عدد من الروايات تتعلق بالخضاب، و في كتاب الوسائل باب بعنوان استحباب الخضاب للرجل و المرأة و عدم وجوبه، و من الروايات عن رسول الله (ص): «دِرْهَمٌ فِي اَلْخِضَابِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ دِرْهَمٍ يُنْفَقُ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ تَعَالَى»[10]، و عن الإمام الصادق (ع): «اَلْحِنَّاءُ يَكْسِرُ اَلشَّيْبَ وَ يَزِيدُ فِي مَاءِ اَلْوَجْهِ»[11].

  1. – نهج البلاغة – حكمة 473

  2. – علل الشرائع، الشيخ الصدوق، ج١ ، ص ١٧٣

  3. – فضائل أمير المؤمنين ( ع )، ابن عقدة الكوفي، ص ١٣٥، الأمالي، الشيخ الصدوق، ص ١٥٥، عيون أخبار الرضا (ع)، الشيخ الصدوق، ج١ ، ص ٢٦٦، فضائل الأشهر الثلاثة، الشيخ الصدوق، ص ٧٩

  4. – المناقب، ابن شهر آشوب، ج٤ ، ص ٤٥

  5. – نهج البلاغة، حكمة 17

  6. – من لا يحضره الفقيه – الشيخ الصدوق – ج ١ – ص ١٢٣

  7. – الكافي الشيخ الكليني، ج ٦، ص ٤٨١

  8. – الكافي، الشيخ الكليني، ج ٦، ص ٤٨٣

  9. – الكافي، الشيخ الكليني ، ج٦، ص ٤٨١

  10. – من لا یحضره الفقیه، الصدوق، ج4، ص352

  11. – مكارم الأخلاق، حسن بن الفضل الطبرسي، ص ٨٠، بحار الأنوار، ج ٧٣، العلامة المجلسي، ص ١٠١

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *