لدوا للموت، و اجمعوا للفناء، و ابنوا للخراب
محمد جواد الدمستاني
روي عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة «إِنَّ لِلَّهِ مَلَكاً يُنَادِي فِي كُلِّ يَوْمٍ لِدُوا لِلْمَوْت،ِ وَ اجْمَعُوا لِلْفَنَاءِ، وَ ابْنُوا لِلْخَرَابِ»[1].
تنبيه منه عليه السلام لزوال الدّنيا و عدم بقائها و استمرارها، فالمواليد تتوفى و تموت، و المتاع و الأثاث و كل ما جمعه الإنسان يفني و ينتهي، و الدور و البيوت و العقار يخرب و ينهدم، فعلى الإنسان أن ينتبه إلى هذه الحقائق و يتعامل معها على أنّها حاصلة و حاضرة، و لا تغرّه الحياة الدّنيا بغرورها مهما كان وضعه، و لا تسيطر عليه الغفلة فيجمع و يكدّس و يبني و يشيّد كأنه مخلد في هذا العالم.
لِدُوا فعل أمر من وَلَدَ، و ولدَت الأنثى أي وضعت حملها في نهاية مدّة الحمل و أنجبت مولودا، و اللام لام العاقبة للموت و الفناء و الخراب، فعاقبة الإنسان في الدنيا موت، و عاقبة ما يجمع من حُطام الدنيا ومتاعها فناء، و عاقبة ما يبني و يعمّر و يشيّد خراب.
«لِدُوا لِلْمَوْتِ» يعني عاقبة الولادات و الأولاد و النّاس جميعا في عالم الدّنيا هو الموت، فإنّ النّاس بدايتهم ولادة و نهايتهم موت، قال الله تعالى: «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ»[2]، و «كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ»[3]، و هذه سنة الله في خلقه يولدون ثم يموتون، كل واحد في موعده المحدد دون تقديم أو تأخير، «فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ»[4]، و ما بين الموت و الحياة له من يحرسه و يحفظه، فإذا جاء الأجل انتهت وظيفة الحافظين، و في نهج البلاغة روي عن أمير المؤمنين عليه السلام «إِنَّ مَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ مَلَكَيْنِ يَحْفَظَانِهِ فَإِذَا جَاءَ الْقَدَرُ خَلَّيَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُ وَ إِنَّ الْأَجَلَ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ»[5].
و من وصية لأمير المؤمنين لإبنه الإمام الحسن عليهما السلام: «يَا بُنَيَّ إِنَّمَا خُلِقْتَ لِلْآخِرَةِ لَا لِلدُّنْيَا، وَ لِلْفَنَاءِ لَا لِلْبَقَاءِ، وَ لِلْمَوْتِ لَا لِلْحَيَاةِ»[6]، الجسم يفنى في الأرض – و في الرواية – إلا طينته التي خلق منها فإنها لا تبلى، و الروح تصعد إلى عالمها بعد الموت، فهو انتقال من عالم إلى عالم ضمن العوالم، فتنتقل من عالم الدّنيا هذا الذي نحن فيه الآن، و هو عالم التكليف و الامتحان إلى عالم البرزخ، ثم إلى عالم الآخرة و يوم القيامة، ثم عالم الخلود في الجنّة أو النّار، جعلنا الله جميعا من أهل الجنّة مع نبيّنا الأكرم محمد و آله الطاهرين صلوات الله عليهم.
فالحياة في هذا العالم قصيرة جدا سرعان ما تنتهي، و في نهج البلاغة «لِكُلِّ مُقْبِلٍ إِدْبَارٌ وَ مَا أَدْبَرَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ»[7]، و كتب الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء رسالة مختصرة و نصها: «فَكَأَنَّ اَلدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ وَ كَأنَّ اَلْآخِرَةَ لَمْ تَزَلْ، وَ اَلسَّلاَمُ»[8].
و في الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام : «إِنَّ اَلنُّطْفَةَ إِذَا وَقَعَتْ فِي اَلرَّحِمِ بَعَثَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَلَكاً فَأَخَذَ مِنَ اَلتُّرْبَةِ اَلَّتِي يُدْفَنُ فِيهَا فَمَاثَهَا فِي اَلنُّطْفَةِ فَلاَ يَزَالُ قَلْبُهُ يَحِنُّ إِلَيْهَا حَتَّى يُدْفَنَ فِيهَا»[9]، و ماث الشيء في الماءِ أي خلطه و أذابه.
«وَ اجْمَعُوا لِلْفَنَاءِ» أي عاقبة ما يجمعه الإنسان في الدنيا فناء، وكل ما يجمعه الإنسان يفنى و ينتهي، و كل متاع جمعه زائل و يبقى العمل الصالح، قال تعالى: «الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا»[10].
و روي عن أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام «إِنَّ ابْنَ آدَمَ إِذَا كَانَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا وَأَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ، مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَلْتَفِتُ إِلى مَالِهِ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ عَلَيْكَ حَرِيصاً شَحِيحاً، فَمَا لِي عِنْدَكَ؟ فَيَقُولُ: خُذْ مِنِّي كَفَنَكَ، قَالَ: «فَيَلْتَفِتُ إِلى وَلَدِهِ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ لَكُمْ مُحِبّاً، وَإِنِّي كُنْتُ عَلَيْكُمْ مُحَامِياً، فَمَاذَا لِي عِنْدَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: نُؤَدِّيكَ إِلى حُفْرَتِكَ نُوَارِيكَ فِيهَا»[11].
«وَ ابْنُوا لِلْخَرَابِ» أي عاقبة ما يبنيه الإنسان في الدّنيا خراب و دمار، فكل عمّار أو عقار بناه الإنسان و كل المنشآت و المشيدات المبنية ستخرب و تتحطّم، و كل ما نراه اليوم من عمارات و أبنية و قصور فخمة و عمران مزخرف سيتحول إلى أطلال و آثار، كما هي أبنية الأمم السابقة، «فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً»[12].
و مهما بنى و شيّد الإنسان في الدّنيا فإنّه سيتركه و يرحل عنه، قال تعالى «وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ»[13].
و في الشعر المنسوب لأمير المؤمنين عليه السلام:
لَهُ مَلَكٌ يُنادي كُلَّ يَومٍ لِدُوا لِلْمَوْتِ وَ ابْنُوا لِلْخَرَابِ
و لأمير المؤمنين كثير من الكلمات و المواعظ حول الموت و قربه، و في نهج البلاغة:«الرَّحِيلُ وَشِيكٌ»[14]، و «نَفَسُ الْمَرْءِ خُطَاهُ إِلَى أَجَلِهِ»[15]، «فَمَا يَنْجُو مِنَ الْمَوْتِ مَنْ خَافَهُ وَ لَا يُعْطَى الْبَقَاءَ مَنْ أَحَبَّهُ»[16].
و هذا الوعظ و التنبيه على فناء الدّنيا و ما فيها و عدم الاغترار بها و و الانتباه و التيقّظ لانتهائها و الاستعداد للانتقال للعالم الآخر قد تكرر في روايات أمير المؤمنين عليه السلام، و أنّ الموت له موعد مع كل ذي روح، و روي عنه عليه السلام «وَ سُبْحَانَ مَنْ أَدْمَجَ قَوَائِمَ الذَّرَّةِ وَ الْهَمَجَةِ إِلَى مَا فَوْقَهُمَا مِنْ خَلْقِ الْحِيتَانِ وَ الْفِيَلَةِ وَ وَأَى عَلَى نَفْسِهِ أَلَّا يَضْطَرِبَ شَبَحٌ مِمَّا أَوْلَجَ فِيهِ الرُّوحَ إِلَّا وَ جَعَلَ الْحِمَامَ مَوْعِدَهُ وَ الْفَنَاءَ غَايَتَهُ»[17].
و روي عنه عليه السلام «فَلَا شَيْءَ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ الَّذِي إِلَيْهِ مَصِيرُ جَمِيعِ الْأُمُورِ بِلَا قُدْرَةٍ مِنْهَا كَانَ ابْتِدَاءُ خَلْقِهَا وَ بِغَيْرِ امْتِنَاعٍ مِنْهَا كَانَ فَنَاؤُهَا وَ لَوْ قَدَرَتْ عَلَى الِامْتِنَاعِ لَدَامَ بَقَاؤُهَا»[18].
و روي عنه عليه السلام «فَهَلْ يَنْتَظِرُ أَهْلُ بَضَاضَةِ الشَّبَابِ إِلَّا حَوَانِيَ الْهَرَمِ وَ أَهْلُ غَضَارَةِ الصِّحَّةِ إِلَّا نَوَازِلَ السَّقَمِ وَ أَهْلُ مُدَّةِ الْبَقَاءِ إِلَّا آوِنَةَ الْفَنَاءِ»[19].
-
– نهج البلاغة، حكمة 132 ↑
-
– سورة آل عمران، آية ١٨٥، سورة الأنبياء، آية ٣٥، سورة العنكبوت، آية ٥٧ ↑
-
– سورة الرحمن، آية 26-27 ↑
-
– سورة الأعراف، آية 34، سورة النحل، آية 61، سورة يونس، آية ٤٩(إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) ↑
-
– نهج البلاغة، حكمة 201 ↑
-
– نهج البلاغة، وصية 31 ↑
-
– نهج البلاغة، حكمة 152 ↑
-
– كامل الزيارات، جعفر بن محمد بن قولويه، ص ١٥٨، (بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ مِنَ اَلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَ مَنْ قِبَلَهُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَمَّا بَعْدُ فَكَأَنَّ اَلدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ وَ كَأنَّ اَلْآخِرَةَ لَمْ تَزَلْ وَ اَلسَّلاَمُ) ↑
-
– الکافي، الكليني، ج3، ص203 ↑
-
– سورة الكهف، آية 46 ↑
-
– الكافي ( دار الحديث )، الشيخ الكليني، ج ٥، ص ٥٧٣ ↑
-
– سورة النمل، آية 52 ↑
-
– سورة الأنعام، آية 94 ↑
-
– نهج البلاغة، حكمة 187 ↑
-
– نهج البلاغة، حكمة 74 ↑
-
– نهج البلاغة، حكمة 38 ↑
-
– نهج البلاغة، خطبة 165 ↑
-
– نهج البلاغة، خطبة 186 ↑
-
– نهج البلاغة، خطبة 83 ↑