فقد الأحبة غربة
مجمد جواد الدمستاني
روي عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة «فَقْدُ الْأَحِبَّةِ غُرْبَةٌ»[1].
الأحبّة و الأحبّاء و الأحباب جمع الحبيب، و الغُربة هي البعد عن الوطن ، و يلازم البعد عن الوطن الوحشة و فقدان الأنس الذي عهده الإنسان في وطنه و بين أهله و عشيرته و بيئته.
هذه الوحشة في الغربة تكون مثلها أيضا في حالة فقد الأحبة، شعور بالوحشة، و تزداد هذه الوحشة مع قوة المحبة و المودة بين الفاقد و المفقود أي الحيّ و المتوفي، فكلما كانت العلاقة كبيرة زادت الوحشة، ولها آثار ظاهرة على الحيّ، و لذا «فَقْدُ الْأَحِبَّةِ غُرْبَةٌ».
و ذكر أمير المؤمنين عليه السلام في روايات غربة أو غربات أخرى، مثلا:
«الْفَقْرُ فِي الْوَطَنِ غُرْبَةٌ»[2]، و «لَا غُرْبَةَ كَالشُّحِّ»[3]، و «الحُمْقُ غُرْبَةٌ»[4].
ففي هذه الحالات من فقد الأحبة، و الفقر في الوطن، و الشح، الحُمق، تتفق في مشتركات – كل واحدة من جهتها- بها حيثيات نفسية من الوحشة و الحزن و فقدان الأنس و السكن فهي غربة.
و قد يطول عمر الإنسان في الدّنيا فيموت أكثر أصحابه و أترابه و أقرباء سنوات عمره، فيشعر بالوحشة، فيأتي جيل جديد يختلف في عاداته و طريقة حياته فيزيده شعورا بالوحشة و الغربة و الحزن الكامن في نفسه.
أو يستشهد أصحابه و رفقاء دربه ممن يعظّمهم و يرى فيهم أوتادا و أعمدة للنّاس و المجتمع و الأمة فيشعر بالوحشة، و تزداد تلك الوحشة و الغربة حينما لا يتمكن من تعويضهم بآخرين، و كلمة الإمام عامة و لكن قد جرت في حياته عليه السلام شهادة المقربّين منه من القيادات الإسلامية في الجيل الأول من كبار الصحابة و عظماء الأمة و أصحاب المكانة الاجتماعية و العسكرية، ففي صفين استشهد عدد من الرجال العظماء الأجلاء مع أمير المؤمنين عليه السلام مثل عمّار و ابن التّيّهان وَ ذو الشّهادتين، و روى عنه (ع) في نهج البلاغة:
«مَا ضَرَّ إِخْوَانَنَا الَّذِينَ سُفِكَتْ دِمَاؤُهُمْ وَ هُمْ بِصِفِّينَ أَلَّا يَكُونُوا الْيَوْمَ أَحْيَاءً، يُسِيغُونَ الْغُصَصَ، وَ يَشْرَبُونَ الرَّنْقَ، قَدْ وَ اللَّهِ لَقُوا اللَّهَ فَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ، وَ أَحَلَّهُمْ دَارَ الْأَمْنِ بَعْدَ خَوْفِهِمْ، أَيْنَ إِخْوَانِيَ الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ، وَ مَضَوْا عَلَى الْحَقِّ، أَيْنَ عَمَّارٌ وَ أَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ وَ أَيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ، وَ أَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ، وَ أُبْرِدَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَة»[5].
و عمّار بن ياسر من السابقين الأولين، و أبو الهيثم مالك بن التيهان من أكابر الصحابة، و ذو الشهادتين خزيمة بن ثابت قبل النبي شهادته بشهادة رجلين في القصة المشهورة ، هؤلاء الصحابة استشهدوا مع أمير المؤمنين عليه السلام في صفين.
و أحد الذين تأثر لرحيلهم أمير المؤمنين (ع) عمّار بن ياسر و كان عمره حين شهادته فوق التسعين سنة، و كان رسول صلّى الله عليه و آله قد أخبره بشهادته و قد روي المسلمون قول رسول الله (ص) في مقتل عمّار: «تقتلك الفئة الباغية»[6]، «ويكون آخر زادك شربة من لبن تشربه»[7].
و في معركة صفين روي: ثمّ برز (عمّار) إلى القتال ثمّ دعا بشربة من ماء، فقيل: ما معنا ماء، فقام إليه رجل من الأنصار وسقاه شربة من لبن فشربه، ثمّ قال : هكذا عهد رسول اللّه (ص) أن يكون آخر زادي من الدنيا شربة لبن، ثمّ حمل على القوم و أبلى بلاء حسنا حتى استشهد رضوان الله تعالى عليه، فلمّا كان في الليل طاف أمير المؤمنين عليه السّلام في القتلى فوجد عمّارا ملقى بين القتلى، فجعل رأسه على فخذه ثمّ بكى عليه، و أنشأ يقول:
أَلا أَيُّها المَوتُ الَّذي لَيسَ تارِكي أَرِحني فَقَد أَفنَيتَ كُلَّ خَليلِ
أَراكَ بصيرا بِالَّذينَ أَحبُّهُم كَأَنَّكَ تَنحو نَحوَهُم بدَليلِ
و روى في البحار بعض التفاصيل تبيّن تأثر الإمام عليه السلام قبل شهادة عمّار، قال: فلما كان يوم صفين خرج عمار بن ياسر إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: يا أخا رسول الله أتأذن لي في القتال؟ قال: مهلا رحمك الله، فلما كان بعد ساعة أعاد عليه الكلام، فأجابه بمثله، فأعاده ثالثا، فبكى أمير المؤمنين عليه السلام فنظر إليه عمار، فقال: يا أمير المؤمنين إنه اليوم الذي وصف لي رسول الله صلى الله عليه و آله، فنزل أمير المؤمنين صلوات الله عليه عن بغلته وعانق عمارا و ودعه، ثم قال: يا أبا اليقظان جزاك الله عن الله و عن نبيك خيرا، فنعم الأخ كنت، و نعم الصاحب كنت، ثم بكا عليه السلام، و بكا عمار، ثم قال: والله يا أمير المؤمنين ما تبعتك إلا ببصيرة فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم يقول يوم حنين: يا عمار ستكون بعدي فتنة فإذا كان ذلك فاتبع عليا و حزبه فإنه مع الحق و الحق معه و ستقاتل بعدي الناكثين والقاسطين.
فجزاك الله يا أمير المؤمنين عن الاسلام أفضل الجزاء فلقد أدّيت و بلّغت و نصحت ثم ركب و ركب أمير المؤمنين عليه السلام ثم برز إلى القتال.
ثم دعا بشربة من ماء فقيل: ما معنا ماء فقام إليه رجل من الأنصار فأسقاه شربة من لبن فشربه ثم قال: هكذا عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وآله أن يكون آخر زادي من الدنيا شربة من اللبن.
ثم حمل على القوم فقتل ثمانية عشر نفسا فخرج إليه رجلان من أهل الشام فطعناه فقتل رحمه الله.
فلما كان الليل طاف أمير المؤمنين في القتلى فوجد عمارا … [8].
و قال عليه السلام بعد أن جائه نعي مالك الأشتر النخعي: «مَالِكٌ وَ مَا مَالِكٌ وَ اللَّهِ لَوْ كَانَ جَبَلًا لَكَانَ فِنْداً وَ لَوْ كَانَ حَجَراً لَكَانَ صَلْداً لَا يَرْتَقِيهِ الْحَافِرُ وَ لَا يُوفِي عَلَيْهِ الطَّائِرُ»[9].
و في شهادة سيدة نساء العالمين الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء ، روي عنه (ع) أنه بعد أن فرغ من الدفن أنشأ يقول:
أرَى عِلَلَ الدنيَا عليَّ كثيرةً وَصَاحبُها حتّى المماتِ عَليلُ
لكلِّ اجتماع مِنْ خليلينِ فرقةٌ وكلّ الّذي دون الفراق قليلُ
وإنّ افتقادي فاطماً بعد أحمد دَليلٌ على أنْ لا يدُومَ خَليلُ
و مخاطبا لها بعد وفاتها:
مالِي وَقَفتُ عَلى القُبورِ مُسَلِّماً قَبرَ الحَبيبِ فَلَم يَرُدَّ جَوابي
أَحَبيبُ مالَكَ لا تَرُدُّ جَوابَنا اَنَسيتَ بَعدي خِلَّةَ الأَحبابِ
-
– نهج البلاغة – حكمة رقم 65 ↑
-
– نهج البلاغة – حكمة 56 ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٧٦٩، عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص ٥٣٦ ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٢، عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص ٣٤ ↑
-
– نهج البلاغة، خطبة 182 ↑
-
– مسند أبي داود الطيالسي، سليمان بن داود الطيالسي، ص ٨٤، السيرة النبوية، ج ٢، ابن هشام الحميري، ص ٣٤٤، المعيار والموازنة، أبو جعفر الإسكافي، ص ٣٢٢، الطبقات الكبرى، ج ١، ابن سعد، ص ٢٤١ ↑
-
– بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ٣٣ – الصفحة ١٩ (يا عمار إنك ستقاتل بعدي مع علي صنفين الناكثين القاسطين ثم يقتلك الفئة الباغية، قلت: يا رسول الله أليس ذلك على رضا الله ورضاك؟ قال: نعم على رضا الله ورضاي ويكون آخر زادك شربة من لبن تشربه). ↑
-
– بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج ٣٣، ص ١٩ ↑
-
– نهج البلاغة، حكمة 443 ↑