محمد جواد الدمستانيمحمد جواد الدمستاني

Loading

التفرق و التشتت مظهر للضعف

«متفرقين أيادي سبا»

محمد جواد الدمستاني

قد يتشتت القوم و الأمم أشد التشتت و يتفرقون أشد التفرق بعد أن كانوا أمة واحدة ليتحولوا من حالة القوة إلى الضعف فيضرب بهم المثل، و قد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله «مُتَفَرِّقِينَ أَيَادِيَ سَبَا»[1]، و هو مثل عربي يضرب إلى المتفرّقين أو لشدة التفرق و الاختلاف أو لبيان تفرّق الجمع الواحد أو الجماعة الواحدة، ذكره عليه السلام في احدى خطبه و روي في نهج البلاغة، قال (ع): «وَ أَعِظُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْبَالِغَةِ فَتَتَفَرَّقُونَ عَنْهَا، وَ أَحُثُّكُمْ عَلَى جِهَادِ أَهْلِ الْبَغْيِ فَمَا آتِي عَلَى آخِرِ قَوْلِي حَتَّى أَرَاكُمْ مُتَفَرِّقِينَ أَيَادِيَ سَبَا ..»[2].

و الكلام بوصفهم متفرقين و توبيخهم لما في الفرقة من مظهر ضعف و فشل و هو يتضمن دعوة و حث إليهم بالوحدة و الالتئام و الاتفاق التي هي مظهر قوة و عزّة و منعة.

و ذكروا أنّ سبأ هو ابن يشجب بن يعرب بن قحطان، و هو باني مدينة سبأ باليمن، وهو أبو عرب اليمن، و كان له عشرة أولاد، جعل منهم ستة يمينا له، و أربعة شمالا، تشبيها لهم باليدين، ثم تفرّق الأولاد أشدّ التفرّق.

و في مجمع الأمثال[3] ذكر عن فروة بن مسيك قال: يا رسول الله أخبرني عن سبأ أرجل هو أم امرأة؟ فقال: هو رجل من العرب ولد عشرة، تيامن منهم ستة، و تشاءم منهم أربعة، فأما الذين تيامنوا فالأزد و كندة و مذحج و الأشعريون و أنمار منهم بجيلة، و أما الذين تشاءموا فعاملة و غسان و لخم و جذام.

و أصل المثل قوله سبحانه و تعالى عن أهل سبأ «وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ» في القرآن في الآية «لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ»[4]، و الآية «فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ»[5]، و قيل أنّ أصل المثل جاهلي قبل الإسلام.

و سياق الكلام و الخطبة هو توبيخ المتقاعسين عن الجهاد و انتقاد تشتتهم و تفرقهم، و الحال أنّ أفراد الجيش يجب أن يكونوا في وضع معنوي عال للتهيؤ للحرب، و وحدتهم ضرورية للنصر فهي عامل قوة و تماسك و تعاون و بها يكون الجيش أكثر قدرة و سيطرة، و بالوحدة و الانضباط يتم تنفيذ الأوامر و الخطط العسكرية بينما كان يخاطبهم (ع) بأنّهم يعصون و لا يسمعون، قال (ع) في الخطبة نفسها: «اسْتَنْفَرْتُكُمْ لِلْجِهَادِ فَلَمْ تَنْفِرُوا، وَ أَسْمَعْتُكُمْ فَلَمْ تَسْمَعُوا، وَ دَعَوْتُكُمْ سِرّاً وَ جَهْراً فَلَمْ تَسْتَجِيبُوا، وَ نَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا»[6]، و يعصون الله «صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اللَّهَ وَ أَنْتُمْ تَعْصُونَهُ»[7]، و حينما يتفرق الجيش تقل معه القدرة في الحماية و الدفاع، و يزيد من الانقسامات الداخلية، و يضعف الدولة، و حينما يتحد و يلتئم و ينضبط تقوى قدرته و شوكته و ينعكس وضعه على مجمل الأوضاع من الاستقرار السياسي و الاجتماعي.

و المعنى في «متفرقين ايادي سبأ» أي تفرق الجماعة الواحدة و تشتتها مما يؤدي إلى ضعفها أو إبادتها، و المطلوب و المأمور به هو العكس أي الإِجتماع و التآلف و الوحدة و الاتفاق، و قد أمر الله سبحانه و تعالى بالاعتصام بقوله تعالى: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا»[8].

و حبل الله هو القرآن الكريم و الرسول (ص) و المعصومين (ع)، فهم صلوات الله عليهم حبل الله المتين، و قد أمر الله العباد بالتمسك بهم.

و الرواية في البرهان في تفسير القرآن عن عبد الله بن عباس، قال: «كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، سَمِعْتُكَ تَقُولُ: وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللّٰهِ جَمِيعاً، فَمَا حَبْلُ اَللَّهِ اَلَّذِي أَعْتَصِمُ بِهِ؟ فَضَرَبَ اَلنَّبِيُّ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يَدَهُ فِي يَدِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) وَ قَالَ: «تَمَسَّكُوا بِهَذَا، فَهَذَا هُوَ اَلْحَبْلُ اَلْمَتِينُ»[9].

و في الرواية عن الإمام الصادق (ع) قال: «نَحْنُ حَبْلُ اَللَّهِ اَلَّذِي قَالَ اَللَّهُ تَعَالَى وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا»[10].

و في ولايتهم قال الله تعالى في كتابه الكريم «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ»[11]، نزلت في تصدق أمير المؤمنين عليه السلام بالخاتم.

و في وجوب اتّباعهم روي حديث الثقلين عند المسلمين عامة، قال رسول الله (ص): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ اَلثَّقَلَيْنِ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا كِتَابَ اَللَّهِ وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي وَ إِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ اَلْحَوْض»[12].

فهم حبل الله و يجب الاعتصام بهم، التمسك بهم و مودتهم و ولايتهم و اتّباعهم.

و إن شئت تطبيقا واضحا للمثل «متفرقين أيادي سبأ» فوضع الدول العربية يغنيك عن البحث فحالهم متفرقين و متشتتين و متصدعين، بل و يتآمر بعضهم على بعض، و يناصرون عدوهم على بعضهم، و يحارب بعضهم بعضا، مع وجود المشتركات الكثيرة و الكبيرة التي هي أساس قويّ لوحدتهم و اتحادهم حيث يتكلمون لغة واحدة هي أداة التواصل الرئيسي بينهم و هي العربية، و يدينون بالإسلام في غالبيتهم العظمى و يؤمنون بالقرآن، و يشتركون في تراث ثقافي واحد أو متقارب في عاداتهم و تقاليدهم و أدبهم، و هم متجاورون جميعا في بقعة جغرافية واحدة ممتدة من شمال أفريقيا حتى غرب آسيا و كانوا ضمن دولة واحدة في قرون سابقة، و تاريخهم مشترك، و توجد بينهم و خاصة في الدول المتجاورة روابط و وشائج اجتماعية كبيرة، لكنهم «متفرقين أيادي سبأ»، و متعددي التوجهات و السياسات و الاقتصادات.

و لكن للإنصاف فإنّ أمور أخرى تجمعهم و شبه متفقين عليها -مع استثناءات في بعض الدول- مع اختلافهم فيها شدة و ضعفا فأنظمتهم استبدادية أو شبه استبدادية و السلطة بيد فرد أو أفراد قلائل، و لا سيادة للقانون فيها أو في غالبيتها فالقانون ليس فوق الجميع بل فوق البعض و تحت البعض، و لا قضاء مستقل حاكم و فاصل بينهم بل أنّ القضاء قد يخضع لتدخل المتدخلين متى أرادوا، و الفساد منتشر و مستشر في كثير من الدول في أعلى هرمها و في طبقات أخرى تجري الواسطات و المحسوبيات و الرشوات و غيرها، و يجري انتهاك حقوق الإنسان على قدم و ساق في كثير منها، و كلهم عندهم عَلَم بألوان، و نشيد وطني يُعزف بالمناسبات، و تلفزيون رسمي، و شعار للدولة، و عملة وطنية، و أعياد، و فريق كرة.

  1. – نهج البلاغة، خطبة 97

  2. – نهج البلاغة، خطبة 97

  3. – مجمع الأمثال، الميداني ، ج ١ ، ص ٢٨٧، المجروحين، ابن حبان، ج ٣، ص ١١٢

  4. – سورة سبأ، آية 15

  5. – سورة سبأ، آية 19

  6. – نهج البلاغة، خطبة 97

  7. – نهج البلاغة، خطبة 97

  8. – سورة آل عمران، آية 103

  9. – البرهان في تفسير القرآن، السيد هاشم البحراني، ج ١ ، ص ٦٧٢

  10. – عمدة عيون صحاح الاخبار في مناقب إمام الأبرار، ابن البطريق، ص ٢٨٨

  11. – سورة المائدة، آية 55

  12. – الاحتجاج، الشيخ الطبرسي،ج١، ص262

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *