![]()
التحذير مما يلزم الاعتذار في الأقوال و الأفعال
«إياك و ما يُعتذر منه»
محمد جواد الدمستاني
إنّ السلوك الحكيم للإنسان يشمل تجنّب الأقوال و الأفعال التي تضطره إلى الاعتذار لاحقا بعد عملها فذلك خير له و أفضل من عملها ثم الاعتذار، و التوصية بعدم ارتكابها ابتداء، و قد حذّر أمير المؤمنين عليه السلام من ذلك في قوله (ع) «وَ إِيَّاكَ وَ مَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ»[1]، في كتاب بعثه إلى قُثَم بن العباس بن عبد المطلب و هو واليه على مكة و هو أخ عبد الله و عبيد الله و الفضل و آخرين، قال عليه السلام في أوله: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ عَيْنِي بِالْمَغْرِبِ كَتَبَ إِلَيَّ يُعْلِمُنِي أَنَّهُ وُجِّهَ إِلَى الْمَوْسِمِ أُنَاسٌ، و آخره: وَ إِيَّاكَ وَ مَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ وَ لَا تَكُنْ عِنْدَ النَّعْمَاءِ بَطِراً وَ لَا عِنْدَ الْبَأْسَاءِ فَشِلًا.
و تروى الحكمة «إِيَّاكَ وَ مَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ» عن رسول الله (صلّى الله عليه و آله) و عن الأئمة (عليهم السلام).
و المعنى هو تحذير من القيام بأي أمر يحتاج إلى الاعتذار منه لاحقا، فكل ما يوجب الاعتذار لا ينبغي الإقدام عليه، سواء كان قول أو عمل أو حركة أو سكون، و الانتباه و التفكير قبل القيام بأي عمل، فإنّ علم صاحبه أنّ فيه صلاح و فلاح يعمله، و إن علم فيه فساد و طلاح يتوقف عنه و يجتنبه، و لا يعمل عملا يدفعه لتقديم الاعتذار أو العفو و الصفح، و بمعنى آخر ينبغي على الإنسان أن يكون حذرا و مسؤولا في أفعاله و حركاته كلها تفاديا لوقوع الأخطاء و الأخطار.
و التحذير مطلق يشمل كل ما يعتذر منه أو كل الأخطاء أو غير اللائق من الأعمال و الكلام و الحركات صغيرا كان أو كبيرا، بل ترك كل ما يؤدي إلى موقف محرج دون حق، أو ما يقلّل المروءة أو يشعر بالصَغار و الذُل و إن لم يكن خطأ من الناحية الشرعية أو العرفية، فذلك أوفق للارتقاء في السلوك و الأخلاق و أكثر طمأنينة للنّفس و أنفع للإنسان.
و يفترض في الإنسان العاقل ألا يقدم على عمل إلا بعد التروي و التثبت، و في حال أقدم على عمل دون ذلك و دون معرفة حسنه من قبحه، و دون النظر إلى أوجهه المتعددة، ثم تبيّن خطؤه و قبحه فإنه مضطر إلى الندم و الاعتذار.
بل و من المروءة عدم الإقدام على ما يخجل أو يسبب إحراجا أو اعتذارا، أو ما يعتبر غيّ أو باطل أو ضلال و في الرواية عن الإمام الصادق (ع) قال: «إِنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ (ص) فَقَالَ لَه يَا رَسُولَ اللَّه أَوْصِنِي، فَقَالَ لَه رَسُولُ اللَّه (ص) فَهَلْ أَنْتَ مُسْتَوْصٍ إِنْ أَنَا أَوْصَيْتُكَ، حَتَّى قَالَ لَه ذَلِكَ ثَلَاثاً، و فِي كُلِّهَا يَقُولُ لَه الرَّجُلُ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّه، فَقَالَ لَه رَسُولُ اللَّه (ص) فَإِنِّي أُوصِيكَ إِذَا أَنْتَ هَمَمْتَ بِأَمْرٍ فَتَدَبَّرْ عَاقِبَتَه فَإِنْ يَكُ رُشْداً فَامْضِه وإِنْ يَكُ غَيّاً فَانْتَه عَنْه»[2]، التدبر و التبصر في عاقبة الأعمال قبل فعلها و الامتناع عن فعل قبيحها و غيّها، و الإقبال على حسنها و رشدها.
و في نهج البلاغة قريب من هذا المعنى قول أمير المؤمنين (ع) «الِاسْتِغْنَاءُ عَنِ الْعُذْرِ أَعَزُّ مِنَ الصِّدْقِ بِهِ»[3]، فالاستغناء عن العُذرِ بعدم فعل ما يوجبه هو أعزّ و أحسن من العُذر مع الصدق، لما يلزم من الذُل و المهانة حين الاعتذار و المشقة الإضافية المعنوية و المادية للإعتذار.
ثم أنّ الاعتذار ليس دائما مقبولا، و عند كل النّاس، فضلا عن آثار الأخطاء التي قد لا تُعوض أو تنتهي باعتذار فإنّ الآثار النفسية التي يخلفها الكلام الجارح قد لا تنسى من ذاكرة المجروح و إن خفّفها الاعتذار، فالنّاس مختلفون في قابلياتهم و معنوياتهم و درجات الصفح و العفو و قبول العذر.
و رويت عنهم عليهم السلام عدد من الحكم و الروايات في التحذير من فعل ما يلزم الاعتذار، فعن عن أمير المؤمنين (ع): «إِيَّاكَ وَ مَا تَعْتَذِرُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ لاَ يُعْتَذَرُ مِنْ خَيْرٍ، وَ إِيَّاكَ وَ كُلَّ عَمَلٍ فِي اَلسِّرِّ تَسْتَحِي مِنْهُ فِي اَلْعَلاَنِيَةِ، وَ إِيَّاكَ وَ كُلَّ عَمَلٍ إِذَا ذُكِرَ لِصَاحِبِهِ أَنْكَرَهُ»[4]، فإنّه لا يُعتذر من خير لأن ما يوجب الاعتذار هو خطأ و اشتباه و شر.
و يروى الحديث عن رسول الله (ص): «إيّاكَ وما يُعتَذَرُ مِنهُ، فإنَّ فيهِ الشِّركَ الخَفِيَّ»[5] لعله لأنّ الاعتذار يمثل حالة خضوع للمعتذر إليه.
و عن الإمام الحسين (ع): «إيّاكَ وما تَعتَذِرُ مِنهُ، فَإِنَّ المُؤمِنَ لا يُسيءُ و لا يَعتَذِرُ، وَ المُنافِقُ كُلَّ يَومٍ يُسيءُ و يَعتَذِرُ»[6]، فإنّ المؤمن المراقب لأعماله و أفعاله يتجنّب الإساءة إلى النّاس فلا يلزمه أن يعتذر خلاف المنافق.
و في نهج البلاغة «وَ احْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ يَرْضَاهُ صَاحِبُهُ لِنَفْسِهِ وَ يُكْرَهُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَ احْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ يُعْمَلُ بِهِ فِي السِّرِّ وَ يُسْتَحَى مِنْهُ فِي الْعَلَانِيَةِ، وَ احْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ إِذَا سُئِلَ عَنْهُ صَاحِبُهُ أَنْكَرَهُ أَوْ اعْتَذَرَ مِنْهُ»[7].
و تجنّب العُذر لتجنّب الذُل و الصَغار في النّفس، و الرواية عن الإمام الصادق (ع) «لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَه، قُلْتُ بِمَا يُذِلُّ نَفْسَه؟ قَالَ يَدْخُلُ فِيمَا يَتَعَذَّرُ مِنْه»[8].
و رويت عن الإمام زين العابدين (ع): «وَ أَقِلَّ طَلَبَ اَلْحَوَائِجِ إِلَيْهِمْ فَإِنَّ ذَلِكَ فَقْرٌ حَاضِرٌ، وَ إِيَّاكَ وَ مَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ»[9].
و الأخطاء و ما يلزمها من الاعتذارات قد تكون صغيرة و شخصية و قد تكون كبيرة و عامة، فقد تكون بين الأصدقاء و الأسرة و قد تكون أخطاء سياسات عامة و حروب، و لأجل تلافي الأخطاء عامة يلزم الإنسان التفكر و التدبر و الانتباه و التبصر لكل ما يقدم عليه، و السعي للإحاطة بالموضوع من كافة جهاته، و لا يقرر في أمور هو يجهلها دون معرفة أبعادها.
ثم يحتاج الإنسان للسؤال و أخذ الخبرة من أهلها و استشارتهم في بعض الأمور و القضايا المهمة، فإنّ الشرع يدعو إلى الشورى و الاستشارة و «مَنِ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ هَلَكَ»[10]، كما في نهج البلاغة.
و الحذر في العلاقات الاجتماعية من الأخذ المباشر مما يسمعه الإنسان من الآخرين فيبني عليه دون تحقق، بل ينبغي التثبت و التأكد من صحيح أو سقيم ما سمعه، قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ»[11].
و لا يقدم على الأمور في حالة الغضب و التهيّج أو حالة الضغوط النفسية و التوتر، بل يسعى أن يكون حال الهدوء و السكينة و خاصة في القضايا المهمة أو المصيرية شخصية كانت أو عامة، فتكون لديه سيطرة و استقرار نفسي و هدوء تام دون ضغوط أو توترات حين اتخاذ الفعل أو القرار ليكون أكثر صوابا.
و عدم التسرع في إجراء الأمور فإنّ بعضها يحتاج إلى وقت للبت فيها، و بعضها يحتاج إلى تخطيط و ترتيب و مقدمات حتى تكون النتيجة صحيحة و مقبولة، و ينبغي التعلم من الأخطاء السابقة فلا تُكرر.
و كما يوصي أهل البيت (ع) بتجنّب ما يوجب الاعتذار يأمرون عليهم السلام في المقابل بقبول العذر ممن اعتذر و عدم زيادة المشقة على المخطئ و تحميله ما لا يطاق و إن لم يكن له عذر ناهض، أو كان كاذبا في اعتذاره، فتلك أخلاقهم عليهم السلام، فعن أمير المؤمنين (ع) «اقبَلْ عُذرَ أخيكَ، وإن لَم يَكُن لَهُ عُذرٌ فَالتَمِسْ لَهُ عُذراً»[12].
و عن الإمام زين العابدين (ع): «لا يَعتَذِرُ إلَيكَ أحَدٌ إلّاقَبِلتَ عُذرَهُ، و إن عَلِمتَ أنَّهُ كاذِبٌ»[13].
- – نهج البلاغة، كتاب 33 ↑
- – الكافي، الشيخ الكليني، ج8، ص ١٥٠ ↑
- – نهج البلاغة، حكمة 329 ↑
- – عدة الداعي ونجاح الساعي، ابن فهد الحلي، ص ٢١٤، بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج ٦٨، ص ٣٦٩ ↑
- – مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة، المنسوب للإمام الصادق ( ع )، ص ١٦٣، بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج٧٥، ص٢٠٠ ↑
- – تحف العقول عن آل الرسول ( ص )، ابن شعبة الحراني، ص ٢٤٨، بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج٧٥، ص ١٢٠ ↑
- – نهج البلاغة، كتاب69 ↑
- – الكافي، الشيخ الكليني، ج ٥، ص ٦٤ ↑
- – الأمالي، الشيخ المفيد، ص 183 ↑
- – نهج البلاغة، حكمة 161 ↑
- – سورة الحجرات، آية 6 ↑
- – بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج ٧١، ص ١٦٥ ↑
- – الباهرة من الأصداف الطاهرة (تحقيق الصغير)، الشهيد الأول، ص ٥، بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج٧١ ص١٨٠، ج٧١ ص ١٤٢ ↑
