![]()
جائعان لا يشبعان مولعان بالعلم أو بالدنيا
«منهومان لا يشبعان طالب علم و طالب دنيا»
محمد جواد الدمستاني
صنفان من النّاس لا يكتفيان و كلما حصلا من مرادهما شيئا طلبا المزيد منه و لا يمتلئان هما طالب علم و طالب دنيا، قال أمير المؤمنين عليه السلام «مَنهُومانِ لا يَشْبَعانِ: طالِبُ عِلمٍ، وَطالِبُ دُنْياً»[1]، و في الكافي عن أمير المؤمنين (ع) عن رسول الله (ص) «مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ طَالِبُ دُنْيَا، و طَالِبُ عِلْمٍ»[2]، و عن الإمام الصادق (ع) «مَنْهُومَانِ لاَ يَشْبَعَانِ مَنْهُومُ عِلْمٍ، وَ مَنْهُومُ مَالٍ»[3].
و مَنْهُوم من النَّهَم بمعنى إفراط الشهوة في الطعام، أي به جوع شديد و شهوة أو شهية مفرطة في الأكل، و مَنْهُوم مُولَع بشيء، و راغب و لا تشبع نفسه، فــــ «مَنهُومانِ لا يَشْبَعانِ» أي جائعان لا يشبعان، مولعان لا يشبعان طالب علم و طالب دنيا.
و منهوم العلم لا يشبع ذلك أنّه كلما وصل مرتبة من العلم طمح في أعلى منها و هكذا يستمر دائماً إلى أن يصل إلى مرتبة تكون أعلى المراتب الممكنة له دون شبع و يموت و هو راغب و مولع بالعلم، و هذه ميزة محمودة و ترتقي بالإنسان في الدّنيا و الآخرة و خيرها عليه و على النّاس، و في الرواية عن الإمام الصادق (ع) «أَرْبَعَةٌ لاَ يَشْبَعْنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: اَلْأَرْضُ مِنَ اَلْمَطَرِ، وَ اَلْعَيْنُ مِنَ اَلنَّظَرِ، وَ اَلْأُنْثَى مِنَ اَلذَّكَرِ، وَ اَلْعَالِمُ مِنَ اَلْعِلْمِ»[4]، و مهما بلغ الإنسان من العلم فهو قليل فالعلم لا تحيط به العقول البشرية «وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا»[5].
و طالب الدّنيا همّه ما يصيبه من الدّنيا، يُشرب حبها و يغترّ بغرورها، و ينشغل بالنّهار و يسهر بالليل في حسابات و كتابات ما أخذ و أعطى من أرباح و فوائد و مكاسب، فهو منهوم لا يشبع بالوصول إلى مرتبة من مراتب الدّنيا، فكلما حصلت له مرتبة اقتضى الحرص تناول مرتبة أعلى و هكذا يستمر إلى أن يموت دون شبع، و هذه ميزة مذمومة لأنّها تهبط بالإنسان و تفسده، و الرواية عن الإمام الصادق (ع): «إِنَّ فِيمَا نَزَلَ بِهِ اَلْوَحْيُ مِنَ اَلسَّمَاءِ لَوْ أَنَّ لاِبْنِ آدَمَ وَادِيَيْنِ يَسِيلاَنِ ذَهَباً وَ فِضَّةً لاَبْتَغَى إِلَيْهِمَا ثَالِثاً، يَا اِبْنَ آدَمَ إِنَّمَا بَطْنُكَ بَحْرٌ مِنَ اَلْبُحُورِ وَ وَادٍ مِنَ اَلْأَوْدِيَةِ لاَ يَمْلَأُهُ شَيْءٌ إِلاَّ اَلتُّرَابُ»[6].
و طول العمر و دنوّ الإنسان من الموت لا يؤثر غالبا على أهل الدّنيا فيتوقفون للمراجعة و التوبة بل طول العمر يزيد في حرصهم و طول أملهم، و الرواية عن رسول الله (ص) قال: «يَشِيبُ ابْنُ آدَمَ وَ يشُبُّ فيه خِصْلَتَانِ الْحِرْصُ وَ طُولُ الاْمَلِ»[7]، و قيل للمسيح (ع): «ما بال المشايخ أحرص على الدّنيا من الشباب، قال لأنهم ذاقوا من طعم الدنيا ما لم يذقه الشباب»[8].
و كل من طالب العلم و طالب الدّنيا ينقسم إلى سالم ناج و هالك، فإن اقتصر طالب الدّنيا على ما أحلّ الله له فيها فهو سالم، و إن تعدّى في طلب الدّنيا لغير ما أحلّ الله له فيها كالسرقة و الغش و الربا و المحرمات فهو هالك، و طالب العلم إن أخذه من أهله و عمل به فقد نجا، و إذا أراد به الدّنيا فقد هلك، و تكملة الحكمة في الكافي و تمام نهج البلاغة هو «فَمَنِ اقْتَصَرَ مِنَ الدُّنْيَا عَلى مَا أَحَلَّ اللّهُ لَهُ سَلِمَ، وَ مَنْ تَنَاوَلَهَا مِنْ غَيْرِ حِلِّهَا هَلَكَ، إِلّا أَنْ يَتُوبَ وَ يُرَاجِعَ، وَ مَنْ أَخَذَ الْعِلْمَ مِنْ أهلهِ وَ عَمِلَ بِهِ نَجَا، وَ مَنْ أَرَادَ بِهِ الدُّنْيَا هَلَكَ، وَ هُوَ حظّه»[9].
و لعل المراد من طالب الدّنيا هو من ينصب جهده و سعيه كله على الدّنيا لا همّ له سواها لشدة حرصه، و هو أكثر بكثير من السعى على قدر الحاجة و الكفاف، لأنّ الإنسان بطبيعته يلزمه السعي في الدّنيا و تحصيل حاجاته منها، و مهما بلغ من طالب الدّنيا ما في ملكه و ممتلكاته يراه أقل مما يطلب و يرغب.
و الحكمة متداولة في بعض الأوساط عند رؤية طالب علم أو طالب دنيا و استمرار طلبهما، يجدّان طيلة الحياة كأنّهما جائعان لا يشبعان، فطالب العلم همّه و همته معرفة الحقائق و العلوم، و في العلوم الإسلامية معرفة فروع العلوم الإسلامية و العقائد و معرفة الله سبحانه و تعالى و أنبيائه و أوصيائهم، و في مطالعة أحوال العلماء تجد هذا المعنى حيث الانشغال بالعلم و الانكباب على الكتاب، و سهر الليالي ثم لا يجد نفسه إلا مقصرا و لم يبلغ من العلم شيئا، و كلما زاد علمه اكتشف جهله بالنسبة لعموم العلم، و طالب الدنيا همّه و همته الدّنيا و مقدار ما يكسبه منها و لا يراه كافيا.
و الحكمة في نهج البلاغة في بيان المنهومين اللذين يرغبان و لا يشبعان، طالب علم و طالب دنيا، و ليس في بيان التفاضل بينهما، و في حكمة أخرى يبيّن أمير المؤمنين (ع) فضل العلم و صاحبه على المال و صاحبه، قال (ع): «يَا كُمَيْلُ الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ، الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَ أَنْتَ تَحْرُسُ الْمَال،َ وَ الْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ وَ الْعِلْمُ يَزْكُوا عَلَى الْإِنْفَاقِ، وَ صَنِيعُ الْمَالِ يَزُولُ بِزَوَالِهِ ،..، وَ الْعِلْمُ حَاكِمٌ وَ الْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ، يَا كُمَيْلُ هَلَكَ خُزَّانُ الْأَمْوَالِ وَ هُمْ أَحْيَاءٌ وَ الْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ..»[10].
و تطبيق هذه الحكمة لا حصر لها منذ أول الدّنيا حتى اليوم، فأين قارون و الأثرياء في الدّنيا، فليس لهم ذكر و إنّما الذكر لموسى و هارون فالعلماء هم المخلدون.
و في حبّ الدّنيا روي عن الإمام الصادق (ع) قال: «مَرَّ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (ع) عَلَى قَرْيَةٍ قَدْ مَاتَ أَهْلُهَا وطَيْرُهَا ودَوَابُّهَا فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَمُوتُوا إِلَّا بِسَخْطَةٍ و لَوْ مَاتُوا مُتَفَرِّقِينَ لَتَدَافَنُوا، فَقَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا رُوحَ اللَّه و كَلِمَتَه ادْعُ اللَّه أَنْ يُحْيِيَهُمْ لَنَا فَيُخْبِرُونَا مَا كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ فَنَجْتَنِبَهَا، فَدَعَا عِيسَى (ع) رَبَّه فَنُودِيَ مِنَ الْجَوِّ أَنْ نَادِهِمْ فَقَامَ عِيسَى (ع) بِاللَّيْلِ عَلَى شَرَفٍ مِنَ الأَرْضِ فَقَالَ يَا أَهْلَ هَذِه الْقَرْيَةِ فَأَجَابَه مِنْهُمْ مُجِيبٌ لَبَّيْكَ يَا رُوحَ اللَّه و كَلِمَتَه، فَقَالَ وَيْحَكُمْ مَا كَانَتْ أَعْمَالُكُمْ، قَالَ عِبَادَةُ الطَّاغُوتِ، وحُبُّ الدُّنْيَا مَعَ خَوْفٍ قَلِيلٍ و أَمَلٍ بَعِيدٍ و غَفْلَةٍ فِي لَهْوٍ و لَعِبٍ، فَقَالَ كَيْفَ كَانَ حُبُّكُمْ لِلدُّنْيَا قَالَ كَحُبِّ الصَّبِيِّ لأُمِّه إِذَا أَقْبَلَتْ عَلَيْنَا فَرِحْنَا وسُرِرْنَا و إِذَا أَدْبَرَتْ عَنَّا بَكَيْنَا وحَزِنَّا، ..»[11]، إلى آخر الرواية.
و مرجع ذلك إلى الحرص و في الكافي عن الإمام الباقر (ع) «مَثَلُ الْحَرِيصِ عَلَى الدُّنْيَا مَثَلُ دُودَةِ الْقَزِّ كُلَّمَا ازْدَادَتْ مِنَ الْقَزِّ عَلَى نَفْسِهَا لَفّاً، كَانَ أَبْعَدَ لَهَا مِنَ الْخُرُوجِ حَتَّى تَمُوتَ غَمّاً»[12].
اللهمّ وفقنا للعلم و العمل الصالح، و اخرج حبّ الدّنيا من قلوبنا، و اجمع بيننا و بين المصطفى و آله خيرتك من خلقك (ص)، و الحمد لله ربّ العالمين و صلّ اللهم على محمد و آله الطاهرين.
-
– نهج البلاغة، حكمة 457 ↑
-
– الكافي، الشيخ الكليني، ج١، ص ٩٤ ↑
-
– الخصال، الشيخ الصدوق، ص ٥٣ ↑
-
– المحاسن، أحمد بن محمد بن خالد البرقي، ج ١، ص ٩، الخصال، الشيخ الصدوق، ص ٢٢١، علل الشرائع، الشيخ الصدوق، ج ٢، ص ٥٩٦ (عن الإمام الرضا عن آبائه (ع) عن أمير المؤمنين (ع)..، و سأله عن أربعة لا يشبعن من أربعة، فقال: ارض من مطر، و أنثى من ذكر، و عين من نظر، و عالم من علم،..) ↑
-
– سورة الإسراء، آية 85 ↑
-
– من لا یحضره الفقیه، الشيخ الصدوق، ج4، ص 418 ↑
-
– بحار الأنوار، ج ٧٠، العلامة المجلسي، ص ٢٢، أدب الدنيا والدين، علي بن محمد البغدادي الماوردي، ص ٢٣٨ (يشيب ابن آدم و يبقى معه خصلتان الحرص و الأمل) ↑
-
– أدب الدنيا والدين، علي بن محمد البغدادي الماوردي، ص ٢٣٨ ↑
-
– الكافي، الشيخ الكليني، ج١، ص ٩٤ (..، وعَمِلَ بِعِلْمِه نَجَا، ومَنْ أَرَادَ بِه الدُّنْيَا فَهِيَ حَظُّه)، تمام نهج البلاغة، السيد صادق الموسوي، ص ٦٩٨ (..، وَعَمِلَ بِهِ نَجَا، وَ مَنْ أَرَادَ بِهِ الدُّنْيَا هَلَكَ، وَهُوَ حظّه) ↑
-
– نهج البلاغة، حكمة 147 ↑
-
– الكافي، الشيخ الكليني، ج٢ ، ص ٣١٨ ↑
-
– الكافي، الشيخ الكليني،ج ٢، ص ٣١٦ ↑
