![]()
الله الرحمن الرحيم
اللهم عرّفني نفسك، فإنك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف نبيك.
اللهم عرّفني نبيك، فإنك إن لم تعرّفني نبيك لم أعرف حجتك.
اللهم عرّفني حجتك، فإنك إن لم تعرّفني حجتك ضللت عن ديني.
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم إلى يوم الدين.
وَرَدَ عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال لصاحبه الجليل زرارة بن أعين:
“إن للقائم غيبة قبل أن يقوم… وهو المنتظر… غير أن الله عز وجل يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون.”
فقال زرارة: “جعلت فداك، إن أدركت ذلك الزمان، أيّ شيء أعمل؟”
قال (عليه السلام): “يا زرارة، إذا أدركت ذلك الزمان، فادعُ بهذا الدعاء:
اللهم عرّفني نفسك…”
هذا الدعاء يُعرف بـ دعاء المعرفة أو دعاء الغَيبة، ويُستحب قراءته يوم الجمعة، لأنه يوم الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، وهو من الأدعية الخاصة بعصر الغَيبة.
وبحسب ما ورد في هذا الدعاء، فإن معرفة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) تتوقف على معرفة الله تعالى، كما تتوقف معرفة الإمام على معرفة النبي، ولا يمكن الوصول إلى الدين الحق إلا بمعرفة الإمام.
فلنقف قليلًا عند معاني هذا الدعاء:
“اللهم عرّفني نفسك”
معرفة الله هي أصل كل شيء، وهي الإقرار بوجوده سبحانه وتعالى.
لكن لا يمكن الإحاطة الكاملة بالله عز وجل، كما قال تعالى:
“ولا يحيطون به علماً” (طه: 110)، وقال أيضًا:
“ليس كمثله شيء وهو السميع البصير” (الشورى: 11).
فالإحاطة الكاملة بالله تعالى مستحيلة، لأن المحدود لا يحيط بالمطلق، والناقص لا يحيط بالكامل.
ومع ذلك، قال أمير المؤمنين (عليه السلام):
“لم يُطلع العقول على تحديد صفته، ولكن لم يُحجبها عن واجب معرفته.”
وقال في خطبة له بـ نهج البلاغة:
“أول الدين معرفته.”
وقيل له (عليه السلام): “هل رأيت ربك؟”
فقال:
“لم تره العيون بمشاهدة العيان، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان.”
إذن، نتعرف على الله تعالى بصفاته الجمالية والجلالية، وبتنزيهه عن التشبيه والتجسيم، وأنه لا يُدرَك بالحواس، وأنه إلهٌ واحدٌ أحد.
ومن صفاته أنه الحكيم، ولا يفعل شيئًا إلا لحكمة.
وعندما شاءت حكمته أن يُوجِد الإنسان وفقًا لإرادته وقدرته، أوجده لغرض، لحكمة، وهي أن يتكامل هذا المخلوق ويصل إلى مراتب عالية من الكمال.
والإنسان، لأجل أن يكون متكاملًا، لا بد أن يكون مختارًا ناتجًا عن العقل.
والعقل لا بد أن يُطّلِع على الطريق الصحيح ليصل إلى الكمال.
لكن المعارف التي يحصل عليها الإنسان من العقل والحسّ والتجربة، غير كافية لوصوله إلى الكمال.
فقد يظن الإنسان أن جمع الثروة هو الكمال، أو أن يتزوج أجمل النساء، أو أن يصبح وزيرًا أو رئيسًا!
إذن نحتاج إلى بابٍ رابع، وهو باب الوحي، وهنا يأتي دور النبي، ليدلّنا على طريق الوحي والكمال.
نحتاج إلى نبي نراه ونسمعه، لأن الله ليس بجسم، ولا يُحد بزمان أو مكان، لأنه خالق الزمان والمكان.
“أنا عرفت نبيك منك يا الله”
لأني علمت أنك حكيم، غير مركّب، ولا محتاج، ولا يحيط بك الزمان والمكان، إذن لا بد أن ترسل رسولًا يعرفنا بك.
وقد قال الإمام الحسين (عليه السلام) في دعاء عرفة:
“متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟! ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟! عميت عينٌ لا تراك عليها رقيبًا، وخسرت صفقة عبدٍ لم تجعل له من حبك نصيبًا.”
اللهم عرّفني نفسك، فإنك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف نبيك،
اللهم عرّفني رسولك، فإنك إن لم تعرّفني رسولك لم أعرف حجتك.
عرفنا رسولك منك يا الله، هو من جاء بالقرآن، وهو السراج المنير.
فهل من الضروري أن يكون هناك إمام حجة بعد النبي؟
نعم، لأن الدين الإسلامي دين عالمي وخالد، يتماشى مع كل العصور. قال تعالى:
“يا أيها الناس”، و “يا بني آدم”.
والنبي محمد (صلى الله عليه وآله) هو خاتم الأنبياء.
إذن لا بد أن يكون القرآن محفوظًا من التحريف، ويحتوي على متطلبات البشر إلى يوم القيامة.
لكن القرآن الكريم لا يحتوي على كل التفاصيل، بل يحتوي على العموميات، وقد أوكل الله بيان التفاصيل إلى الرسول، قال تعالى:
“وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نُزِّل إليهم.”
فالقرآن لم يُبيّن كيفية الوضوء، ولا شروط الصلاة، ولا عدد ركعاتها، ولا تفاصيل الصوم أو الحج.
ولأن الدين عالمي وخالد، فلا بد أن يلبّي احتياجات الفرد والمجتمع، حتى على مستوى التفاصيل.
إذن ما الحل لهذه المشكلة؟ من يبيّن التفاصيل بعد النبي؟
الجواب: القرآن أوضح أن الرسول هو الموكَّل بالتفصيل، لكن:
هل ما بيّنه النبي في حياته يكفي لأن يكون الدين خالدًا وعالميًا؟
الجواب: كلا.
لأن النبي قضى 23 سنة في الدعوة، وكان مشغولًا بمشاكل داخلية، وحصار شعب أبي طالب، والهجرة، والحروب (نحو 76 غزوة وسرية)، وفتح مكة…
بل حتى بعض التفاصيل الضرورية وقع فيها التحريف، فكيف بالتفاصيل التي يمكن أن يُفتَرى عليها؟
مثل: الخلافة، الإرث، الحروب…
إذن، الخلود والعالمية في خطر إن لم يكن هناك قيّم على الدين بعد النبي، إلى أن نرد الحوض.
بل أكثر من ذلك، الإمام هو امتداد لرسول الله، وهو حافظ للشريعة، ورجوع الناس إليه يمنع الفرقة والتشتت.
فقال النبي:
“لن تضلوا بعدي ما إن تمسكتم بهما، كتاب الله وعترتي أهل بيتي.”
إنه نظام للأمة.
يحفظ الشريعة من التحريفات .
رجوع الناس اليهم عند الاختلاف .
عدم الفرقة والتفرق .
حتى لا يكون لأحد على الله حجة .
لن تضلوا بعدي .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله الطيبين الطاهرين .
السيد مصطفى مرتضى .