![]()
«إنّي أكره أن تكونوا سبّابين»
المنهج الأخلاقي في التعامل مع الخصوم و الحُجّة خير من السباب
محمد جواد الدمستاني
سمع أمير المؤمنين قوما من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين فقال لهم كما أورده الرضي في نهج البلاغة: «إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَّابِينَ، وَ لَكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ وَ ذَكَرْتُمْ حَالَهُمْ كَانَ أَصْوَبَ فِي الْقَوْلِ وَ أَبْلَغَ فِي الْعُذْرِ، وَ قُلْتُمْ مَكَانَ سَبِّكُمْ إِيَّاهُمْ اللَّهُمَّ احْقِنْ دِمَاءَنَا وَ دِمَاءَهُمْ، وَ أَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَ بَيْنِهِمْ، وَ اهْدِهِمْ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ، حَتَّى يَعْرِفَ الْحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ وَ يَرْعَوِيَ عَنِ الْغَيِّ وَ الْعُدْوَانِ مَنْ لَهِجَ بِهِ»[1].
مناسبة الكلام ذكرها كتاب وقعة صفين لنصر بن مزاحم المنقري، و روى مسندا، قال: «خَرَجَ حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ وَ عَمْرُو بْنُ اَلْحَمِقِ يُظْهِرَانِ اَلْبَرَاءَةَ وَ اَللَّعْنَ مِنْ أَهْلِ اَلشَّامِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا عَلِيٌّ «أَنْ كُفَّا عَمَّا يَبْلُغُنِي عَنْكُمَا»، فَأَتَيَاهُ فَقَالاَ: يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَ لَسْنَا مُحِقِّينَ؟ قَالَ: «بَلَى»، قَالاَ أَ وَ لَيْسُوا مُبْطِلِينَ؟ قَالَ: «بَلَى»، قَالاَ: فَلِمَ مَنَعْتَنَا مِنْ شَتْمِهِمْ؟ قَالَ: «كَرِهْتُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا لَعَّانِينَ شَتَّامِينَ تَشْتِمُونَ وَ تَتَبَرَّءُونَ، وَ لَكِنْ لَوْ وَصَفْتُمْ مَسَاوِيَ أَعْمَالِهِمْ فَقُلْتُمْ مِنْ سِيرَتِهِمْ كَذَا وَ كَذَا وَ مِنْ عَمَلِهِمْ كَذَا وَ كَذَا كَانَ أَصْوَبَ فِي اَلْقَوْلِ وَ أَبْلَغَ فِي اَلْعُذْرِ، وَ [لَوْ] قُلْتُمْ مَكَانَ لَعْنِكُمْ إِيَّاهُمْ وَ بَرَاءَتِكُمْ مِنْهُمْ اَللَّهُمَّ اِحْقِنْ دِمَاءَنَا وَ دِمَاءَهُمْ وَ أَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَ بَيْنِهِمْ وَ اِهْدِهِمْ مِنْ ضَلاَلَتِهِمْ، حَتَّى يَعْرِفَ اَلْحَقَّ مِنْهُمْ مَنْ جَهِلَهُ وَ يَرْعَوِىَ عَنْ اَلْغَيِّ وَ اَلْعُدْوَانِ مَنْ لَهِجَ بِهِ كَانَ هَذَا أَحَبَّ إِلَيَّ وَ خَيْراً لَكُمْ، فَقَالاَ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ نَقْبَلُ عِظَتَكَ وَ نَتَأَدَّبُ بِأَدَبِكَ،..»[2].
و حاصل الكلام تأديب أصحابه عليه السلام و توجيههم توجيها صحيحا، و إرشادهم إلى الطريقة الحسنة، و تنفيرهم من أن يكونوا سبّابين، «إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَّابِينَ»، يشتمون الأعداء أو الخصوم، و هذه الكراهة لما في السبّ من إثارة للطرف المقابل و لما يخلقه من عداوات و تعميق للخلافات، و قد يضيع معه الحق الثابت، و تنطمس فيه الحقيقة أو الحقائق، و ليس به فائدة، فحينما يكون نقاش و حوار حول قضية ما و يبدأ بالسبّاب فإنّ الأثر الأولي هو نفور المحاور مباشرة و قد تدفعه الحمية للعناد، فالحجة و الدليل هو المناسب للإقناع أو لإقامة الحجة على الطرف المقابل، و في القرآن الكريم نهي عن سبّ المشركين لئلا يسبوا الله «وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ»[3]، و عن الرسول (ص) نهيّ عن سبّ النّاس تفاديا للعداوة و البغضاء «لَا تَسُبُّوا النَّاسَ فَتَكْتَسِبُوا الْعَدَاوَةَ بَيْنَهُمْ»[4].
و في الكافي عن الإمام الصادق(ع) «وَ إِيَّاكُمْ وَ سَبَّ أَعْدَاءِ اَللَّهِ حَيْثُ يَسْمَعُونَكُمْ «فَيَسُبُّوا اَللّٰهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ»[5]، وَ قَدْ يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَعْلَمُوا حَدَّ سَبِّهِمْ لِلَّهِ كَيْفَ هُوَ إِنَّهُ مَنْ سَبَّ أَوْلِيَاءَ اَللَّهِ فَقَدِ اِنْتَهَكَ سَبَّ اَللَّهِ، وَ مَنْ أَظْلَمُ عِنْدَ اَللَّهِ مِمَّنِ اِسْتَسَبَّ لِلَّهِ وَ لِأَوْلِيَاءِ اَللَّهِ، فَمَهْلاً مَهْلاً فَاتَّبِعُوا أَمْرَ اَللَّهِ وَ لاَ حَوْلَ وَ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ»[6].
و قالت قريش أنّ النبي سبّ أصنامها فقالوا لأبي طالب (ع): «إنّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا»[7]، و ليس في الرواية التاريخية سبٌّ كما ترى في المصدر.
و أما معاوية فقد كان يسبّ و هذه هي أخلاقه و كذلك أتباعه يسبون و يشتمون، و في كلام أمير المؤمنين (ع) ذكر ذلك و رخصته لشيعته لتحمّل السبّ للنجاة دون البراءة، قال (ع): «أَمَّا إِنَّهُ سَيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي رَجُلٌ رَحْبُ الْبُلْعُومِ مُنْدَحِقُ الْبَطْنِ يَأْكُلُ مَا يَجِدُ وَ يَطْلُبُ مَا لَا يَجِدُ فَاقْتُلُوهُ وَ لَنْ تَقْتُلُوهُ، أَلَا وَ إِنَّهُ سَيَأْمُرُكُمْ بِسَبِّي وَ الْبَرَاءَةِ مِنِّي، فَأَمَّا السَّبُّ فَسُبُّونِي فَإِنَّهُ لِي زَكَاةٌ وَ لَكُمْ نَجَاةٌ، وَ أَمَّا الْبَرَاءَةُ فَلَا تَتَبَرَّءُوا مِنِّي فَإِنِّي وُلِدْتُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَ سَبَقْتُ إِلَى الْإِيمَانِ وَ الْهِجْرَةِ»[8].
و قد ورد عنهم عليهم السلام في السيطرة على الكلام و اللسان في الرواية: «مَا كُلُّ مَا يُعْلَمُ يُقَالُ، وَ لاَ كُلُّ مَا يُقَالُ حَانَ وَقْتُهُ، وَ لاَ كُلُّ مَا حَانَ وَقْتُهُ حَضَرَ أَهْلُهُ»[9]، و عن أمير المؤمنين (ع) «لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ»[10].
و هذه الكراهة بالسبّ أو الشتم عامة و هي توصية بحسن استعمال اللسان و التحكم فيه و في مشاعر الإنسان عامة حتى عند الخصومة و العداوة و الغضب، فإنّ استعماله بذلك أزكى و أنفع.
و أصل رئيسي في هذه التعاليم هو أنّه عليه السلام كان غرضه الأصلي و مقصوده في جميع حروبه هداية النّاس وإعلاء كلمة الله و الاسلام و انقاذهم من ظلمات الجهالة و الضلالة، و ليس غرضه القتل و الحكم و أنّ حروبه تكون بعد استنفاد الحلول السلمية و المحاورات التي يبادر لها، و هذا الغرض يحصل بالرّفق و المداراة و الحلم و كظم الغيظ و ليس بالغلظة و الخشونة و السّبّ.
و معنى سبّ في اللغة شتم أو قذف بكلمات نابية، و يرادف سبّ: شتم، تعيير، إعابة، إهانة بكلام جارح، فالسبّ هو الشتم و سبّه أي شتمه، و اختلفوا في الشروح و البحوث معنى كراهة السبّ، و سعة حرمة السبّ، و ذكروا تفاصيل في ذلك تتعلق بالمسبوب، و ذكروا الفرق بين السبّ و تسمية الأشياء بمسمياتها فهو ليس سبا.
و في نهج البلاغة روى الشريف الرضي كلام أمير المؤمنين (ع) قاله للأشعث بن قيس و هو على منبر الكوفة يخطب، فمضى في بعض كلامه شيء اعترضه الأشعث فيه، فقال يا أمير المؤمنين، هذه عليك لا لك، فخفض عليه السلام إليه بصره ثم قال: «مَا يُدْرِيكَ مَا عَلَيَّ مِمَّا لِي عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللَّهِ وَ لَعْنَةُ اللَّاعِنِينَ حَائِكٌ ابْنُ حَائِكٍ مُنَافِقٌ ابْنُ كَافِرٍ»[11].
و روى الرضي في النهج أيضا قول أمير المؤمنين (ع) للمغيرة بن الأخنس، قوله: «يَا ابْنَ اللَّعِينِ الْأَبْتَرِ وَ الشَّجَرَةِ الَّتِي لَا أَصْلَ لَهَا»[12].
و اتفقوا بجواز اللعن كما في الآيات الكريمة و الروايات الشريفة و منها:
«إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً»[13].
«إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ»[14].
«أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ»[15].
وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ»[16]، و آيات كثيرة أخرى مع تفاصيل واسعة.
و كان أمير المؤمنين (ع) يلعن معاوية و أصحابه، و شملت زيارة عاشوراء اللعن، و فيها «فَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً أَسَّسَتْ أَسَاسَ الظُّلْمِ وَالْجَوْرِ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ، وَ لَعَنَ اللهُ أُمَّةً دَفَعَتْكُمْ عَنْ مَقامِكُمْ..»[17]، و زيارة الأربعين «فَلَعَنَ اللهُ مَن قَتَلَكَ، وَ لَعَنَ اللهُ مَن ظَلَمَكَ، وَ لَعَنَ اللهُ أُمَّةً سَمِعَت بِذلِكَ فَرَضِيَت بِهِ»[18].
و يوصيهم و يوجّههم عليه السلام بدل السبّ و الانفعال بوصف أعمال أعدائهم الخاطئة و بيان أحوالهم من القبح و الظلم، و سلوكياتهم الفاسدة و منهجهم الباطل بشكل موضوعي بحجة و دليل و برهان فهو خير و أفضل و أنفع، كما يوصيهم بالدعاء لحق الدماء، قال (ع) «وَ لَكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ»، و أنّهم ضالَّين و ظالمين، و بيّنتم للنّاس تجاوزاتهم و اعتداءاتهم و بغيهم و جنايتهم على الإسلام و المسلمين، و تفريقهم و تمزيقهم وحدة المجتمع و الأمة و «ذَكَرْتُمْ حَالَهُمْ» و أوضاعهم و انحرافاتهم، «كَانَ أَصْوَبَ فِي الْقَوْلِ»، و أكثر قناعة و بيانا للحق لأنّ مع بيان حالهم و أوضاعهم تُظهرونهم على حقيقتهم و تبيّنون زيفهم و تعرّونهم، و لا يكون في ذلك ظلم أو جور لأنكم تشرحون واقعهم وتبيّنون أعمالهم، و كان «أَبْلَغَ فِي الْعُذْرِ» في قتالهم ببيان الموقف الحق، و أقرب من القناعة فإنّ النّاس إذا علموا أنّهم ظالمون سيعطونكم الحق في محاربتهم، و حتى في صفوف أتباعهم و انصارهم الذين سيكتشفون زيفهم و دجلهم.
و لو ذكرتم كل هذا من «وَصف أَعْمَالهمْ وَ ذكر حَالهمْ» بدل السبّاب و شرحتم ما هم عليه من البغي و الظلم و العدوان و اتباع الهوى و الانحراف، و تفريق الكلمة، و تمزيق الجماعة كما هو معاوية و أصحابه لكشفتموهم و أوصلتم الحقيقة للنّاس، و لعل ذلك يسبب تراجع بعضهم فيتوب و يلتفت إلى حقيقة معاوية و كونه ظالما فاسدا قاتلا، و المناسبة هنا معاوية و المعنى عام في عامة العدوّ.
«وَ قُلْتُمْ مَكَانَ سَبِّكُمْ إِيَّاهُمْ» أي تستبدلون سبّكم إياهم بالدعاء لهم و لكم بحقن الدماء و حفظ الأرواح، و تقولون «اللَّهُمَّ احْقِنْ دِمَاءَنَا وَ دِمَاءَهُمْ» أي احفظ دمائنا و دمائهم، بأن يرجعوا إلى الحق فلا يحاربوا حتى لا تراق الدماء و تزهق الأرواح.
و «أَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَ بَيْنِهِمْ» و أصلح ما بدر من العداوة التي بيننا و بينهم، و أصلح فرقتنا و اختلافنا و بدّلها بالائتلاف والاجتماع، و «اهْدِهِمْ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ» و انحرافاتهم و فسادهم، و الدعاء بالهداية و الرجوع إلى اللّه، و اجتماع النّاس تحت راية الحق.
«حَتَّى يَعْرِفَ الْحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ»، منهم و ليتبيّن طريق الحقّ و أهله و طريق الباطل و أهله، و تفيق النّاس و الأجيال من نومها و رقدتها و سباتها، و تبصر الحقّ و الهدى، و لا يصيبها العمى و الهذيان و الضياع.
و «يَرْعَوِيَ عَنِ الْغَيِّ وَ الْعُدْوَانِ مَنْ لَهِجَ بِهِ» و ينقلع عن الغيّ و الضلالة و يتراجع عن العدوان و التّعدى من لهج به و تكلم به و ولع به، و يرجع عن المعاصي و يتوب إلى الله.
و خلاصة الكلام هو توجيه و إرشاد من الإمام في التعامل مع العدوّ في الابتعاد عن السبّاب و الشتائم أو استخدام الألفاظ النابية أو الجارحة التي تزيد في الفرقة و الخصومة فلا يعالج الباطل بالسباب، و البحث دائما عن الطريقة الأجدى و الحل الأفضل، و تبديله بالوصف الموضوعي لأفعال و أعمال العدوّ، و التمسك بالقيم و المبادئ في أصعب الأزمنة، و عامة برعاية آداب الحرب كما هي الرعاية في آداب السلام، و الدعاء بالهداية و حقن الدماء و حفظ الأرواح، و الدعاء للأعداء بالتوبة و التوقف عن التعدي و العدوان.
و في صفين تطبيق لهذا المعنى يبيّن أثر الطرح الموضوعي بدل الشتم و الذم في الحوار، في قصة توبة شاب في معسكر الأعداء رواها المنقري في وقعة صفين[19]، قال الراوي: فمضى (هاشم بن عتبة المرقال) في عصابة من القراء فقاتل قتالا شديدا هو و أصحابه، حتى رأى بعض ما يسرون به، إذ خرج عليهم فتى شاب يقول:
أنا ابن أرباب الملوك غسان و الدائن اليوم بدين غسان
أنبأنا أقوامنا بما كان أن عليا قتل ابن عفان
ثم شد فلا ينثنى يضرب بسيفه، ثم [جعل] يلعن [عليا] ويشتمه و يسهب في ذمه، فقال له هاشم بن عتبة: إنّ هذا الكلام بعده الخصام، و إنّ هذا القتال بعده الحساب.
فاتق الله فإنك راجع إلى ربك فسائلك عن هذا الموقف وما أردت به.
قال: فإنى أقاتلكم لأن صاحبكم لا يصلى كما ذكر لى، و أنكم لا تصلون، و أقاتلكم أن صاحبكم قتل خليفتنا و أنتم وازرتموه على قتله.
فقال له هاشم: و ما أنت و ابن عفان؟ إنما قتله أصحاب محمد و قرّاء النّاس، حين أحدث أحداثا و خالف حكم الكتاب، و أصحاب محمد هم أصحاب الدين، و أولى بالنظر في أمور المسلمين.
و ما أظن أن أمر هذه الأمة و لا أمر هذا الدين عناك طرفة عين قط.
قال الفتى: أجل أجل، والله لا أكذب فإن الكذب يضر و لا ينفع، و يشين و لا يزين.
فقال له هاشم: إن هذا الأمر لا علم لك به، فخله و أهل العلم به.
قال: أظنك والله قد نصحتني.
و قال له هاشم: و أما قولك إن صاحبنا لا يصلى فهو أول من صلى مع رسول الله، و أفقهه في دين الله، و أولاه برسول الله.
وأما من ترى معه فكلهم قارئ الكتاب، لا ينامون الليل تهجدا، فلا يغررك عن دينك الأشقياء المغرورون.
قال الفتى: يا عبد الله، إنى لأظنك امرأ صالحا، [و أظنني مخطئا آثما]، أخبرني هل تجد لى من توبة؟ قال: نعم، تب إلى الله يتب عليك، فإنه يقبل التوبة عن عباده و يعفو عن السيئات، و يحب التوابين و يحب المتطهرين.
قال: فذهب الفتى بين الناس راجعا، فقال له رجل من أهل الشام: خدعك العراقى! قال: لا، و لكن نصحنى العراقى !
و هذا التوجيه و الإرشاد من الإمام عليه السلام نوع من الاستعمال للحرب الناعمة و تحويل الصراع و الخصومة إلى هداية و توبة مع رعاية الأخلاق و القيم الإنسانية في حقن الدماء و الأرواح في أصعب مراحل الحياة و هي ساحات الحرب و ميادين القتال، و لقد حاول الإمام محاورتهم في صفين بدل سفك دمائهم و لكنهم لم يكونوا مهيئين إذ أنّ غريزة التسلط عندهم و تمسكهم بالباطل و الامتدادات الجاهلية متغلغلة في نفوسهم و متعمقة في صدورهم جهلا و غرورا حتى إذا عضّتهم الحرب بأسنانها و أخذت السيوف في أجسادهم مواقعها و أدركوا فشلهم و هزيمتهم توسلوا لإيقاف الحرب برفع كتاب الله الذي لا يؤمنون به حقيقة بل رفعوه حيلة و خدعة.
و هذا الاستعمال الناعم للحرب تمّ في حرب النهروان إذ أنّ بعد إرسال عبد الله بن عباس لمحاورتهم اقتنع غالبيتهم أو ثلثاهم و انسحبوا من ساحة القتال و تحول الحال عندهم من الخصومة للتوبة، و لم يبق غير الثلث الذي انهزم فلم يفلت منهم عشرة[20].
هذا المنهج الأخلاقي من تحويل الخصومة للتوبة و الدعاء للخصم بالهداية و الحوار و السعي إلى حفظ دماء الأعداء و الخصوم و المخالفين و مطلق النّاس هو منهج محمد و آل محمد صلوات الله عليهم، كان عندهم و لا زال و سيبقى في شيعتهم و محبيهم، فإذا ما قارنت بينهم و بين من يعاديهم ترى هذا الفارق جليا ليكون مبعث هداية لمن له عقل و بصيرة إلى الحق و التوبة.
و الهدف الأسمى ليس في الانتصار و إشباع الرغبة القلبية بل في السعي للهداية و الإصلاح و الرجوع إلى الحق و الإرشاد إلى الله سبحانه و تعالى و عبادته، و منع الأعداء عن الظلم و البغي، و الابتعاد عن الشيطان و أبالسته.
كما أنّ هذا التوجيه يرشد إلى أهمية الدعاء و ضرورة عدم الغفلة عنه و يعني الارتباط المباشر بالله سبحانه و تعالى و طلب العون منه و الهداية و النصر في أقسى الظروف و أشد الأوقات، فالقتال بالأيدي و الدعاء باللسان في السعي في تحويل ساحات الخصومة إلى مواقع هداية، و في أدعيتهم عليهم السلام هذه العظمة، و قال (ع) لما عزم على لقاء القوم في صفين «اللَّهُمَّ.. إِنْ أَظْهَرْتَنَا عَلَى عَدُوِّنَا فَجَنِّبْنَا الْبَغْيَ وَ سَدِّدْنَا لِلْحَقِّ، وَ إِنْ أَظْهَرْتَهُمْ عَلَيْنَا فَارْزُقْنَا الشَّهَادَةَ وَ اعْصِمْنَا مِنَ الْفِتْنَةِ»[21].
-
– نهج البلاغة، خطبة 206 ↑
-
– وقعة صفین، نصر بن مزاحم المنقري، ص102 ↑
-
– سورة الأنعام، آية 108 ↑
-
– الكافي، الشيخ الكليني، ج٢، ص٣٦٠ ↑
-
– سورة الأنعام، آية 108 ↑
-
– الکافي، الشيخ الكليني، ج8، ص 2 ↑
-
– مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، ج١، ص ٥٢ (تاريخ الطبري والبلاذري: انه لما نزل «فاصدع بما تؤمر» صدع النبي ونادى قومه بالاسلام ، فلما نزل «انكم وما تعبدون من دون الله» الآيات ، أجمعوا على خلافه فحدب عليه أبو طالب ومنعه، فقام عتبة والوليد و أبو جهل والعاص إلى أبي طالب فقالوا : ان ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا فأما ان تكفه عنا واما ان تخلي بيننا وبينه، فقال لهم أبو طالب قولا رقيقا و ردهم ردا جميلا)، تاريخ الطبري، محمد بن جرير الطبري، ج٢، ص ٦٥ ↑
-
– نهج البلاغة، خطبة 57 ↑
-
– مختصر بصائر الدرجات، حسن بن سليمان الحلي، ص ٢١٢، بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج53، ص115 ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٥٤٢ ↑
-
– نهج البلاغة، خطبة 19 ↑
-
– نهج البلاغة، خطبة 135 ↑
-
– سورة الأحزاب، آية 64 ↑
-
– سورة الأحزاب، آية 57 ↑
-
– سورة البقرة، آية 159 ↑
-
– سورة ص، آية 78 ↑
-
– کامل الزيارات، جعفر بن محمد بن قولويه القمي، ص 174 ↑
-
– تهذيب الأحكام، الشيخ الطوسي، ج٦، ص ١١٤ ↑
-
– وقعة صفین، نصر بن مزاحم المنقري، ص 354 ↑
-
– نهج البلاغة، خطبة 59، و قال (ع) لما عزم على حرب الخوارج و قيل له إن القوم عبروا جسر النهروان: «مَصَارِعُهُمْ دُونَ النُّطْفَةِ وَ اللَّهِ لَا يُفْلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ وَ لَا يَهْلِكُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ». ↑
-
– نهج البلاغة، خطبة 171 ↑
