محمد جواد الدمستانيمحمد جواد الدمستاني

Loading

«عند الصباح يحمد القوم السرى»

تحمّل المشقة العاجلة رجاء الراحة الآجلة

محمد جواد الدمستاني

تحدث أمير المؤمنين عليه السلام في احدى خطب نهج البلاغة عن زهد الأنبياء عليهم السلام و التأسي برسولِ الله (ص)، و في آخر الخطبةِ قال (ع): «واللَّهِ لَقَدْ رَقَّعْتُ مِدْرَعَتِي هَذِهِ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَاقِعِهَا، و لَقَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ: أَلا تَنْبِذُهَا عَنْكَ؟! فَقُلْتُ: اغْرُبْ عَنِّي فَعِنْدَ الصَّباحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرى»[1].

والسُّرَى هو السير في الليل، قال الله تعالى: «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى»[2]، و في نهج البلاغة قال (ع): «لَنَا حَقٌّ فَإِنْ أُعْطِينَاهُ وَ إِلَّا رَكِبْنَا أَعْجَازَ الْإِبِلِ وَ إِنْ طَالَ السُّرَى»[3].

و المعنى في «عِنْدَ الصَّباحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرى» هو إنّ السائرين في الليل أو السارين إذا أصبحوا و قد وصلوا إلى مقاصدِهم أو غاية سفرهم بعد عَنَاء و مَشَقّة و الحرمان من النوم أو قلّته و تعب السير في الليل إرتاحوا و فرحوا و حمدوا السير ليلا، فــ «يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرى»، أما النائمون الذين لم يسيروا ليلا فإنهم يندمون على نومهم، حين يعلمون بوصول السائرين.

و كذلك تذهب مشقة الطاعات في الدّنيا بعد الموت، و يحمدُ العبدُ ربَّه على الطاعة و الصبر، و عمل الطاعات في الدّنيا يحتاج إلى صبر و جهد و تحّمل و تداوم حتى يصل الإنسان إلى آخرته بنجاح و فلاح، قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ»[4].

و يروى عن الإمام الصادق (ع) أنّه قال: «رَأَى اَلنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَاطِمَةَ وَ عَلَيْهَا كِسَاءٌ مِنْ أَجِلَّةِ اَلْإِبِلِ، وَ هِيَ تَطْحَنُ بِيَدَيْهَا وَ تُرْضِعُ وُلْدَهَا، فَدَمَعَتْ عَيْنَا رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقَالَ: يَا بِنْتَاهْ تَعَجَّلِي مَرَارَةَ اَلدُّنْيَا بِحَلاَوَةِ اَلْآخِرَةِ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نَعْمَائِهِ وَ اَلشُّكْرُ لِلَّهِ عَلَى آلاَئِهِ فَأَنْزَلَ اَللَّهُ (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضىٰ)[5]»[6].

و الحكمة مثل يضرب لتحمّل المشقة العاجلة أو الحالية رجاء الراحة الآجلة أو المستقبلية، و كذلك يضرب في الحثّ على فعل الأمور بالصبّر و التحمّل، و توطين النّفس حتّى تحمد العواقب، و تطبيقه في تعجيل مرارة الدّنيا بحلاوة الآخرة.

و النّاس قد لا تتحمس لبعض الأعمال و لكنّها تنبهر بنتائجها، و مثاله حفر عبد المطلب بن هاشم جدّ النبي (ص) لبئر زمزم فقد دعا القوم إلى حفر البئر فلم يجيبوه إلى ذلك، و لم يكن معه أحد إلا ابنه الحارث قبل ولادة بقية أولاده، فبدأ حفر زمزم في أرض مكة الصعبة حتى أتعبه الحفر و اشتد عليه الأذى، فلما حفر و علم أنه قد وقع على الماء كبر و كبرت قريش فقالوا: يا أبا الحارث هذه مآثرتنا و لنا فيها نصيب، قال لهم: لم تعينوني على حفرها هي لي و لولدي إلى آخر الأبد[7].

فهذا الجهد و الصبر و التحمّل في حفر زمزم مع عدم رغبة قريش بل أذاهم، أنتج خروج الماء و الاستفادة العظيمة منه، و بقت زمزم إلى يومنا هذا مباركة يشرب منها حجاج بيت الله و معتمريه و زواره و سكان مكة، فــ «عند الصباح يحمد القوم السرى».

و كذلك نوح النبي في صنع السفينة فقد كان قومه يسخرون منه حينما يجدونه مشغولا بصنع السفينة «وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ‎فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ»[8].

و لا شك أنّ سفينة نوح ضخمة و بذل زمنا طويلا في صناعتها مع و سائل ذلك الزمن البسيطة و كانت مهيأة لحمل المؤمنين الصادقين إضافة إلى زوجين اثنين من كل الحيوانات و الأمتعة و الأطعمة لمدة الإقامة بها و لكنه انجز صناعتها متوكلا على الله ثم جاء الطوفان الذي أغرق كل من تخلف عنها.

إنّ الأعمال العظيمة تحتاج على جدّ و اجتهاد كبير و صبر و تحمّل و لكن نتائجها عظيمة و تنسي ما سبقها من مشقّة و هذا هو معنى «عند الصباح يحمد القوم السرى».

و تدعو الحكمة «عِنْدَ الصَّباحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرى» إلى تحمّل المشاق، و تشجيع الجدّ و المثابرة، و مواجهة الشدائد و التحديات لحصول النتائج و العواقب المحمودة، و النّاس يقدّرون الأعمال المنجزة بعد التعب و المشقة، و يقابل العمل و الجدّ التقاعس و الكسل و هذا لا يأتي بنتائج مقبولة، فالنائمون لا يصلون إلى مقاصدهم.

و كذلك تدعو الحكمة إلى الصبر و التحمّل فإنّ الأعمال الصعبة لا تنجز بسهولة بل تحتاج إلى تأني و تصبّر و تداوم حتى تحصل النتيجة المرجوة، و التفاؤل بعد الصبر و العمل المستمر بتحقيق النتائج و الأهداف، و إنّ الله يعين الصابرين.

و هي مناسبة لتشجيع النّاس للتحدي و مواجهة الصعاب و الشدائد حتى الوصول إلى أهدافهم، و عند حصول النتائج و النجاح يتم نسيان المشقات و الجهود المبذولة.

و الحكمة مناسبة لتطبيقها على الدراسات الجامعية الصعبة التي تحتاج إلى جهد و صبر و جدّ لسنوات عديدة حتى تحقيق الشهادة المرجوة، و الاجتهاد و الجدّ لدى طلاب المدارس و الجامعات و السهر أيام الامتحانات لتحقيق النتائج الجيدة و النجاح المتقدم.

و قريب من الحكمة قول «التّمر في البئر، و على ظهر الجمل»[9]، و هو مثل يضرب و يعني أنّ السقي من البئر يحتاج إلى جهد و مشقة لاخراجه، و لكن بعد هذا الجهد و المشقة يجد الإنسان عاقبة سقيه، فمن سقى وجد نتيجة سقيه في تمره.

و في جامع السعادات[10]: حكى رجل أنّه نزل بعض أهل الله عندنا بالمحصب و كان له أهل و بنات، و في كل ليل يقوم و يصلي إلى السحر، فإذا كان السحر ينادي بأعلى صوته: أيها الركب المعرسون! أكل هذا الليل تنامون فكيف ترحلون؟ فيسمع صوته كل من كان بالمحصب، فيتواثبون بين باك و داع، و قارئ و متوضئ و إذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته «عند الصباح يحمد القوم السري».

و قال هذه الحكمة صعصعة بن صوحان في حواره مع الخوارج، قالها إلى عبد الله بن وهب الراسبي قائد الحرورية في معركة النهروان، و ختم الكلام بــ «عند الصباح يحمد القوم السرى»، ثم رجع إلى أمير المؤمنين يخبره بما جرى[11].

يبيّن النص في آخر هذه الخطبة زهد أمير المؤمنين (ع) في قوله: واللَّهِ لَقَدْ رَقَّعْتُ مِدْرَعَتِي هَذِهِ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَاقِعِهَا، و لَقَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ: أَلا تَنْبِذُهَا عَنْكَ؟! فَقُلْتُ: اغْرُبْ عَنِّي فَعِنْدَ الصَّباحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرى.

قال الإمام الباقر (ع) في زهد جده أمير المؤمنين (ع): «وَ لَقَدْ وُلِّيَ اَلنَّاسَ خَمْسَ سِنِينَ فَمَا وَضَعَ آجُرَّةً عَلَى آجُرَّةٍ وَ لاَ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ وَ لاَ أَقْطَعَ قَطِيعَةً، وَ لاَ أَوْرَثَ بَيْضَاءَ وَ لاَ حَمْرَاءَ ..»[12].

هذا شيء من زهد أمير المؤمنين عليه السلام فعلى شيعته الاقتداء به، والاستضاءة بنور علمه و عمله، و بتقوى الله عزّ وجلّ، كما كان هو إمام المتّقين.

  1. – نهج البلاغة، خطبة 160

  2. – سورة الإسراء، آية 1

  3. – نهج البلاغة، حكمة 22

  4. – سورة الإنشقاق، آية 6

  5. – سورة الضحى، آية 5

  6. – بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج43، ص85، مکارم الأخلاق، الطبرسي، ص235، ص 117 (دَخَلَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ عَلَى فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ وَ عَلَيْهَا كِسَاءٌ مِنْ ثَلَّةِ اَلْإِبِل،ِ وَ هِيَ تَطْحَنُ بِيَدِهَا وَ تُرْضِعُ وَلَدَهَا، فَدَمَعَتْ عَيْنَا رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لَمَّا أَبْصَرَهَا، فَقَالَ: يَا بِنْتَاهْ تَعَجَّلِي مَرَارَةَ اَلدُّنْيَا بِحَلاَوَةِ اَلْآخِرَةِ، فَقَدْ أَنْزَلَ اَللَّهُ عَلَيَّ وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضىٰ).

  7. – قصة حفر زمزم موجودة في الكتب التاريخية، و ذكرها المجلسي في بحار الأنوار، ج١٥، ص163، الكافي، الشيخ الكليني، ج٤، ص ٢١٩، شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج ١٥، ص ٢١٥

  8. – سورة هود، آية 38-39

  9. – مجمع الأمثال، الميداني، ج١، ص ١٤٤

  10. – جامع السعادات، ملا محمد مهدي النراقي، ج٣، ص ٨٢

  11. – الاختصاص، الشيخ المفيد، ص ١٢١

  12. – الکافي، الشيخ الكليني، ج8، ص129

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *