Loading

الخطبة الأولى ضمن سلسلة: مقامات وخصائص النبي محمد (صلى الله عليه وآله)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الأول قبل الإنشاء والإحياء، والآخر بعد فناء الأشياء، العليم الذي لا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، سبحانه لا تُدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير.

الحمد لله الذي بعث في الأميين رسولًا منهم، يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلالٍ مبين، وخصّ نبيَّه المصطفى محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم بأشرف المقامات، وجعله خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وحبيب ربّ العالمين، وباب رحمته إلى العالمين، أرسله بالحق بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا.

اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، صلوات لا نهاية لعددها، ولا انقطاع لمددها، صلوات ترفع بها مقامه، وتُظهر بها شرفه وفضله، وتشهد بها الملائكة أنه عبدك المصطفى، ونبيك المجتبى، وخيرتك من خلقك، سيد الكائنات، ومظهر أسمائك وصفاتك، والمخصوص من بين جميع العالمين بالوسيلة والدرجة الرفيعة.

أما بعد،
فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي المقصّرة بتقوى الله، فإنها وصية الله لعباده، ونجاة لأوليائه، وسبيل إلى مرضاته، قال تعالى في محكم كتابه:
﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَإِيَّاكُمۡ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾.

أيها الإخوة المؤمنون،
حديثنا اليوم عن خير خلق الله، محمد بن عبد الله، النبي الأكرم، الذي بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة، وأبان عن المقامات التي خصّه الله بها، مقامًا بعد مقام، وفضلًا بعد فضل، حتى جعله أول من نطق بالتوحيد، وأول من سجد، وأول من أجاب في عالم الذر، وهو الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والصراط المستقيم، والطريق الأعظم إلى الله عز وجل.

فهيّا بنا نغوص في بحر مقامات محمد وآل محمد، عليهم أفضل الصلاة والسلام، لننهل من معين الولاية، ونتدبّر في مظاهر العظمة التي أودعها الله فيه وفي عترته الطاهرة.

وفي هذا المقام، وردت روايات تقول:

“من زار الرسول (ص) كُتِبت له مئة ألف حسنة”
وفي روايات أخرى:
“من زاره كُتِبت له خمسمئة حسنة”

فلماذا هذا الاختلاف في الأجر؟!
اثنان من المؤمنين يذهبان لزيارة الرسول الأعظم (ص)، وفي نفس الرحلة، ويقرآن نفس الأدعية، ولكن أحدهما ينال ثوابًا أعظم من الآخر، فما السرّ في ذلك؟

يقول العلماء: السبب هو الاختلاف في المعرفة،
المعرفة بمقامات وخصائص النبي الأعظم (ص) ومراتبه الإلهية.

فمن كانت معرفته برسول الله صلى الله عليه وآله أوسع، ووعيه بمقاماته أعمق، تكون زيارته أقرب إلى القبول وأعظم أجرًا، لأنه يعلم من يزور، ولماذا يزور، ويزور عن بصيرة ومحبة وولاية.

وقد ورد التصريح بذلك عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، حيث قال:

“من زاره عارفًا بحقه…”
أي عارفًا بحقه في النبوة والطاعة والعصمة والهداية والمقام المحمود، وسائر مقامات وخصائص النبي صلى الله عليه وآله.

وكذلك الحال في زيارة الأئمة عليهم السلام، فإن من زارهم عارفًا بحقهم في الإمامة والعصمة والطاعة والاقتداء، وكونهم حجج الله في أرضه وأبواب رحمته، كان أجره أعظم.

فلنعرف مقاماتهم أكثر، ونتأمل في خصائصهم، ونتدبّر في منازلهم الرفيعة،
وذلك من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

المقام الأول: نمط الاحترام الإلهي الفريد لرسول الله(ص) .

هناك نمط فريد من التعظيم والاحترام في خطاب الله لنبيه محمد (ص) ، لا نجده في خطابه لسائر الأنبياء عليهم السلام.
مثال على ذلك:

﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
(الأحزاب: 56)

هذه الآية تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: فعل الله والملائكة

الله سبحانه يبدأ بالفعل:
“إن الله وملائكته يُصلّون على النبي”
أي أن الصلاة على النبي فعل إلهي وملائكي دائم، وهذا يُظهر أن النبي صلى الله عليه وآله هو موضع عناية الله واهتمام أهل السماء.

وإذا كان الله يصلي على نبيه، فلا يُعقل أن تسير أجزاء الكون في غير هذا الاتجاه.
بل الكون بأسره يُمجّد هذا النبي العظيم، ووجوده صلى الله عليه وآله جزء من انتظام النظام الكوني الإلهي.
القسم الثاني: أمر الناس بالصلاة عليه

“يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما”
↝ لما كان الإنسان ذا إرادة واختيار، جاء الأمر له ليدخل طوعًا في هذا التشريف الإلهي، ويُظهر ولاءه ومحبة قلبه لهذا الرسول الكريم.

ما معنى “صلاة الله على النبي”؟

ورد في القرآن:
• ﴿وصلّ عليهم، إن صلاتك سكن لهم﴾
• ﴿هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليُخرجكم من الظلمات إلى النور﴾

↝ في هاتين الآيتين، صلاة الله على العباد فيها هدف ونتيجة: الرحمة، السكينة، الهداية.

أما صلاة الله على النبي، فليست لرحمته أو هدايته، فهو المهتدي المُهتدى به، بل:

“لزيادة علو منزلته، وتعظيم مقامه، وتشريفه في الملأ الأعلى”

التفسير بحسب روايات أهل البيت عليهم السلام:

1. صلاة الله عليه (ص) .

قال الإمام الصادق عليه السلام:

“صلاة الله عليه رحمة وتعظيم وتزكية في الملأ الأعلى”

أي مقامه رفيع في السماوات العلى، والله يُظهر عظمته لمخلوقاته بصلاته عليه.

2. صلاة الملائكة عليه ( ص) .

قال عليه السلام:

“صلاة الملائكة ثناءٌ ودعاء واستغفار له”
(بحار الأنوار، ج91)

الملائكة تُمجّده، وتستغفر له ولأمته، إكرامًا له وإقرارًا بفضله.

3. صلاة المؤمنين عليه (ص) .

هي دعاء لله أن يُظهر مقامه، ويزيد في رفعة شرفه، ويجعلنا من أتباعه المخلصين.

وجاء في الحديث:

“من صلى على محمد وآل محمد صلاة، صلى الله عليه وملائكته سبعين صلاة”
(الكافي)

4. ما معنى “وسلّموا تسليما”؟

أي:
• سلّموا له الأمر تسليمًا كاملًا
• أذعنوا لطاعته دون تردد
• لا تُعارضوا حكمه ولا تتقدّموا بين يديه

قال الإمام علي عليه السلام:

“التسليم: القبول بلا اعتراض، والطاعة بلا نقاش”

نختم هذه الخطبة بوصية:
فلنكثر من الصلاة على محمد وآله الطاهرين، لا باللسان فقط، بل بالقلب والجوارح والطاعة، والاقتداء به وبأهل بيته عليهم السلام، فهي مفتاح القرب من الله، وسرّ عروج الأرواح، ومدخل النور إلى القلوب.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله الأطيبين الاطهرين المصومين المنتجبين .
ونُذكّركم أيها الإخوة المؤمنون:
أن حديثنا عن مقامات النبي الأعظم وخصائصه الإلهية لم ينتهِ بعد، وسيتواصل بإذن الله في الخطبة الثانية ضمن هذه السلسلة المباركة، حيث نكمل التأمل في أنوار النبوة ومراتب العظمة المحمدية في ضوء القرآن الكريم وأحاديث العترة الطاهرة.

نسأل الله القبول والتوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السيّد مصطفى مرتضى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *