Loading

الخطبة الثالثة

ضمن سلسلة: مقامات وخصائص النبي محمد (صلى الله عليه وآله)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي شرّف هذا الوجود ببعثة خير خلقه، وجعل في طاعته الفوز العظيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، سيّد الورى، وخاتم الأنبياء، وسراج الهدى.
اللهم صلِّ وسلّم على محمدٍ وآله الأطهار، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرًا.

أما بعد،
فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي الخاطئة المقصّرة بتقوى الله، فهي وصية الله للأوّلين والآخرين،
قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ [النساء: 131].

ها نحن نلتقي بكم في الخطبة الثالثة من هذه السلسلة المباركة، التي نغوص فيها في بحر خصائص النبي المصطفى محمد (صلى الله عليه وآله)، نستلهم من سيرته العطرة ، ونتدبّر في مقامات الاصطفاء التي اختصّه الله بها دون غيره من الخلق.

فلنفتح القلوب، ولنقف بإجلال أمام بعضٍ من أسرار عظمة هذا النبي، صلى الله عليه وآله، الذي ما عرفته البشرية على حقيقته بعد، مهما بلغ من العلم مبلغًا.

قال تعالى:
﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ ﴾ [آل عمران: 31]
وقال عز وجل:
﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ ﴾ [الفتح: 10]

وكما أشرنا في الخطبة الثانية، فإن الآية لا تقول “كأنما يحببكم الله”، بل تقول “يحببكم الله” مباشرة، وهذا يدل على اليقين التام.
وكذلك، لم يقل تعالى “كأنما يبايعون الله”، بل قال: “إنما يبايعون الله”، و”إنما” هنا أداة حصر وتوكيد، أي أن مبايعتهم للنبي هي في حقيقتها مبايعة لله عز وجل.

ووصف الله سبحانه رحمته فقال:
﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [الأعراف: 156]
ثم أثبت هذه الرحمة نفسها للنبي الأكرم فقال:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]

وقد أعطى الله تعالى النبي محمدًا (صلى الله عليه وآله) مقام النبوة، والرسالة، والإمامة، فقال عز وجل:
﴿ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ ﴾ [الأحزاب: 40]

ومن مقامات النبي الأعظم:

1. الشفاعة العظمى – المقام المحمود:

قال تعالى:
﴿ وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا ﴾ [الإسراء: 79]

2. الأسوة الحسنة:

قال تعالى:
﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب: 21]

3. مقام العصمة المطلقة:

قال تعالى:
﴿ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ ﴾ [النساء: 59]

4. التحاكم إليه:

قال تعالى:
﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ [النساء: 65]
وهذه الآية أيضًا دليلٌ على عصمة النبي (صلى الله عليه وآله)، إذ كيف يتحاكم إليه الناس في شؤونهم ما لم يكن معصومًا في قوله وحكمه؟

5. تزكية الأمة وتعليمها:

قال تعالى:
﴿ هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ [الجمعة: 2]
عباد الله،
ما ذكرناه اليوم من مقامات النبي محمد (صلى الله عليه وآله) ما هو إلا قبسٌ يسير من نور عظمته، وإشارة إلى بعض ما خصّه الله به من كراماتٍ ومنازل رفيعة.

وسنكمل – بإذن الله تعالى – في الخطبة الرابعة ما تبقى من هذه المقامات العظيمة والخصائص الجليلة، لنزداد بها محبةً، وفهمًا، وارتباطًا بسيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وآله، سائلين الله أن يجعلنا من السائرين على نهجه، المتخلّقين بأخلاقه، العاملين بسنّته.

اللهم صلّ على محمد وآل محمد، وارزقنا شفاعته، واحشرنا تحت لوائه، ولا تحرمنا من قربه ومحبته في الدنيا والآخرة.

إنه نعم المولى ونعم النصير، والحمد لله رب العالمين.
السيد مصطفى مرتضى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *