السيد مصطفى مرتضىالسيد مصطفى مرتضى

Loading

وصية الإمام علي (ع) في العلم والمال ومراتب الناس. الخطبة الثانية .

“بسم الله الرحمن الرحيم ”
الحمد لله الذي رفع شأن العلم وأعلى مكانة أهله، وجعل العلماء ورثة الأنبياء، وقرن طلب العلم بطاعته وعبادته. أحمده سبحانه وأشكره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، صلّى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين.

أوصيكم ونفسي المقصِّرة أولاً بتقوى الله، فإنها وصية الله للأولين والآخرين.

أيها الأحبة المؤمنون… موضوع خطبتنا اليوم هو وصية أمير المؤمنين علي (عليه السلام) لكميل بن زياد النخعي، وهي وصية جامعة تبيّن فضل العلم على المال، وآثارهما في حياة الإنسان وآخرته.

العلم خير من المال

قال الإمام علي (عليه السلام) لكميل:

(يا كميل، العلم خير من المال؛ العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النَّفَقَة، والعلم يزكو على الإنفاق، وصنيع المال يزول بزواله).

العلم خير من المال لأنه يمنحك فهماً وحكمةً ومكانةً، بينما المال مجرّد أداة مادية قد تذهب وتأتي.

العلم يحرس صاحبه فيحميه من الوقوع في الأخطاء والمعاصي ويجعله يميّز بين الحق والباطل والحلال والحرام. أمّا المال فأنت الذي تحرسه وتخاف عليه من الضياع أو السرقة.

المال تنقصه النَّفَقَة؛ فكلما أنفقت منه نقص. أمّا العلم فلا ينقص بالاستعمال، بل يزيد رسوخاً كلما استفدت منه في الخير.

العلم يزكو على الإنفاق؛ ينمو ويزداد إذا نقلته إلى الآخرين. كلما علّمت غيرك أو عملت بعلمك ازداد فهمك ورسخ في عقلك أكثر.

وصنيع المال يزول بزواله؛ فالمشاريع والبيوت والسيارات وكل ما تصنعه بالمال يذهب أو يقل أثره مع الوقت. أمّا العلم فهو الباقي معك، لا ينقص بالعطاء بل يزداد ويترسخ كلما علّمته للآخرين وتبقى آثاره حتى بعد موت صاحبه.

المقصود أن أثر المال مؤقّت وأثر العلم دائم، وتستطيع أن تنقل أثره للآخرين فينموا ويُكتب لك أجره وذكراه بعد رحيلك.

معرفة العلم دين يُدان به

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام):

(يا كميل، معرفة العلم دين يُدان به، به يكسب الإنسان الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد وفاته، والعلم حاكم والمال محكوم عليه).

كلمة (دين) هنا بمعنى الواجب والالتزام الذي يُحاسَب عليه الإنسان، لا مجرّد الإسلام.

وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):

(طلب العلم فريضة على كل مسلم).

وعن الإمام الصادق (عليه السلام):

(عالم يُنتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد).

أيها الأحبّة، العلم نور وهداية:

(طلب العلم فريضة على كل مسلم، فاطلبوا العلم من مظانّه واقتبسوه من أهله، فإن تعلّمه لله حسنة، وطلبه عبادة، والمذاكرة به تسبيح، والعمل به جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله قربة إلى الله تعالى… إنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبيل الجنة، والمؤنس في الوحشة، والصاحب في الغربة والوحدة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة يُقتدى بفعالهم).

إن العلم حياة القلوب من الجهل، وضياء الأبصار من الظلمة، وقوة الأبدان من الضعف، يبلغ بالعبد منازل الأخيار ومجالس الأبرار والدرجات العُلا في الدنيا والآخرة.
( به يكسب الإنسان الطاعة في حياته) .
به أي بالعلم ينال الإنسان الطاعة والاتباع في الدنيا .
والطاعة هنا على مستويين :١- طاعة الله ، أن تطيع ربك لأن العلم يعرفك ما امرك به وما نهاك عنه .
٢-طاعة الناس لك : اي احترامهم لقولك واتباعهم لتوجيهاتك عن قناعة لا خوفا ولا مجاملة .

(وجميل الأحدوثه بعد وفاته ) .
الأحدوثه : ما يتحدث به والمراد :يبقى ذكره على الألسن عبر العصور والأجيال .

( والعلم حاكم والمال محكوم عليه ) .
إن كسب المال وجمعه وإنفاقه ، وجميع شؤونه خاضعة للعلم ، وإن تطور المال وازدهاره باستخراج المعادن او عمل المصانع وغير ذلك لم يحصل إلا بالعلم .
العلم يعطي صاحبه السلطه المعنوية ( حكم هيبة مكانه ) .
أما المال يحتاج صاحبه الي علم يرشده ، كيف ينفعه ويستثمره ويصرفه في الحق !
من دون العلم قد يهلك المال وصاحبه .
العلم هو القائد والمال هو الأداة .

الخاتمة

عباد الله، هكذا يوجّهنا أمير المؤمنين (عليه السلام): اجعلوا العلم رأس مالكم الحقيقي؛ فهو الذي يحرسكم وينفعكم وينفع الناس بكم، وهو الباقي بعد رحيلكم، بينما المال يزول بزواله.

فلنحرص على طلب العلم من مظانّه، والعمل به، وتعليمه للآخرين؛ فهو حياة القلوب ونور البصائر، وبه تُنال الدرجات العُلا.

اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزدنا علماً، ووفِّقنا لطلب العلم والعمل به وتعليمه، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المؤمنين والمؤمنات، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.
وسوف تكون لنا بإذن الله تعالى تكملة لهذه الوصايا المباركة في الخطبة الثالثة إن شاء الله.
السيد مصطفى مرتضى .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *