![]()
الخطبة الثالثة
وصية الإمام عليّ (عليه السلام) في العلم والمال ومراتب الناس
المقدّمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي رفع بالعلم أقوامًا فجعلهم للناس أئمّة يهتدون بهم، وذمّ الجهل وأهله فكانوا كالأنعام بل أضلّ سبيلاً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله الطاهرين.
عباد الله، أوصيكم ونفسي الخاطئة المقصّرة أولًا بتقوى الله عزّ وجلّ، فهي وصيّة الله للأولين والآخرين.
حديثنا اليوم تكملة لوصيّة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في بيان منزلة العلم والمال، وأحوال الناس في حمل العلم أو الانشغال بالدنيا.
موضوع الخطبة
قال أمير المؤمنين (عليه السلام):
(يا كميل، هلك خُزّان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القول موجودة) .
يشرح الإمام أنّ الذين انشغلوا بجمع المال وتكديسه، وإن كانوا أحياء بأجسادهم، فإنّ أثرهم ميت؛ يرحلون وتذهب أموالهم للورثة وتُنسى أسماؤهم.
أمّا العلماء فهم باقون ما بقي الدهر، وكثرة ما نسمع بأسماء العلماء الماضين كالشيخ المفيد والشريف المرتضى والشيخ الطوسي يجعلنا نحسبهم أحياء يعيشون بيننا، رغم أنّ أعيانهم مفقودة ولكن أمثالهم في القلوب موجودة بما خلّفوه من كتب وأفكار وأعمال نافعة وأخلاق رفيعة.
ثم قال (عليه السلام):
(ها إنّ ههنا لعلماً جمّاً – وأشار إلى صدره – لو أصبتُ له حملة، بلى أصبتُ لقناً غير مأمون عليه، مستعملاً آلة الدين للدنيا، ومستظهراً بنِعَمِ الله على عباده، وبحُجَجه على أوليائه…).
أي أنّه (عليه السلام) يمتلك علمًا كثيرًا كما دلّ عليه قول النبي (ص): (أنا مدينة العلم وعليّ بابها) وقوله (ع): (علّمني رسول الله ألف باب من العلم يفتح لي من كل باب ألف باب) ، وهو القائل: ( سلوني قبل أن تفقدوني).
وكتاب نهج البلاغة الذي جمع كلماته يأتي بعد كلام الله وكلام رسوله منزلة، فقيل فيه: ( فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق) .
ولكنه لم يجد من يحمل علمه على وجهه الصحيح؛ وجد أناسًا يحفظون العلم ولكن لا يؤتمنون عليه، يفهمونه لكن يسيئون استعماله، يستخدمون أدوات الدين – العلم، الفتوى، المنصب – للوصول إلى مصالح دنيوية من جاه أو مال أو سلطة، بدل أن يجعلوها وسيلة لطاعة الله وخدمة الناس.
أو يستكبرون بنعم الله على عباده ويتسلّطون بحججهم على أوليائه في الممارات والمغالبة.
ثم قال (عليه السلام):
(أو منقادًا لحملة الحق لا بصيرة له في أحنائه، ينقدح الشكّ في قلبه لأول عارض من شبهة).
أي أنّ هناك من يتبع أهل الحق ظاهريًا لكنه بلا فهم عميق ولا بصيرة في داخله، مجرّد تقليد بلا وعي، فيتزعزع عند أول فتنة أو شبهة.
ثم قال (عليه السلام):
(ألا لا ذا ولا ذاك، أو منعونا باللذّة، سَليُ القياد للشهوة، أو مغرمًا بالجمع والإدّخار، ليسا من رعاة الدين في شيء، أقرب شيء شبهاً بهما الأنعام السائمة، كذلك يموت العلم بموت حامليه).
أي أنّ هؤلاء لا هم علماء ربانيون ولا هم متعلّمون على سبيل نجاة؛ منهم من هو مولع بملاذ الدنيا يتبع شهواته بسهولة، ومنهم من هو مهووس بجمع المال وتكديسه، لا يصلحون أن يكونوا قادة للدين ولا حملة للعلم لأنهم لا يحملون أمانته.
أقرب ما يشبهون الأنعام السائمة التي تُرسل للرعي بلا راعٍ، تائهون بلا هداية يتبعون أي اتجاه بلا وعي.
وبموت هؤلاء يموت العلم بموت حامليه إن لم يورَّث ويُعلَّم للناس.
الخاتمة
عباد الله، وصيّة أمير المؤمنين (عليه السلام) هذه دعوة لنا جميعًا أن نكون من أهل العلم العاملين به، لا من جامعي المال ولا من المتّخذين الدين مطيّة للدنيا، وأن نحمل العلم بأمانته فننفع به أنفسنا والناس، ونورثه لمن بعدنا لئلا يموت بموت حامليه.
نسأل الله سبحانه أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح والبصيرة الثاقبة والثبات على الحق، وأن يختم لنا بالحسنى، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه.
والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
السيد مصطفى مرتضى .
