السيد مصطفى مرتضىالسيد مصطفى مرتضى

Loading

الخطبة الرابعة والأخيرة .

وصية الإمام عليّ (عليه السلام) في العلم والمال ومراتب الناس.

بسم الله الرحمن الرحيم .

الحمد لله الذي لم يخلُق الخلق عبثًا، ولم يتركهم سدى. الإمام عليّ (عليه السلام) يبيّن حقيقة وجود الحجّة في كل زمان، ظاهرةً كانت أو مستورة، ضمانًا لبقاء الدين وحفظًا للشرع.

يكمل الامام علي عليه السلام خطبته فيقول : اللهم بلى ، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة ، أما ظاهرا مشهورا ، او خائفا مغمورا ، لئلا تبطل حجج الله وبيناته ، ….
الشرح: اللهم بَلى: يعني: نعم يا الله، الأمر كما تقول، أي أن الأرض لا تخلو من حجّة لله.
•لا تَخْلوا الأرض مِن قائِمٍ لِلّهِ بحجة : أي لا تخلو الأرض أبداً من إنسان (ولي أو إمام) قائم بأمر الله، يقيم حجته (أي دليل الله وبيانه للناس)، إن الله سبحانه خلق حجته على خلقه قبل أن يخلقهم وهو آدم عليه السلام ، وكلام الامام علي عليه السلام يشير الي استمرّار الحجج قطعا للمعاذير ، ويقول ابن الحديد : وهذا يكاد يكون تصريحا بمذهب الامامية .
( أما ظاهرا مشهورا):اي يكون هذا القائم أو الحجة معروفاً مشهوراً بين الناس : وهم الرسل والأنبياء والأوصياء والأئمة من اهل البيت على نبينا وعليهم افضل الصلاة والسلام ، فقد كانوا المعلمين للأمة ، المرشدين لها ، وعلى سبيل المثال : فقد جمع الحافظ ابن عقدة اسماء تلاميذ الإمام الصادق (ع) والرواة عنه ، فكانوا أربعة الآف او اكثر …
(أو خائفا مغمورا ): اي مستورا متخفيا غير ظاهر وهو الامام المهدي عليه السلام .
فلنأخذ دليلا من القرآن الكريم يدلنا على وجود الحجة في كل زمان .
قال تعالى ( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (الرعد: 7)
فُسِّر ( الهاد ) بأنه إمام أو حجّة موجود في كل زمان يهدي الناس، وإن اختلفت صورة وجوده.
قوله تعالى:
﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (فاطر: 24)
أي أن كل أمة جاءها من ينذرها ويقيم الحجة عليها.
والسؤال : إذا كان الامام مستورا فهل تبطل حجج الله ؟
والجواب : وجود الحجّة – سواء كان ظاهراً مشهوراً أو مستتراً خائفاً – هو في ذاته كافٍ لبقاء حجج الله قائمة على الخلق.
فالمقصود أن وجود الحجّة هو ضمانة لاستمرار الدين، وليس شرطاً أن يكون ظاهراً علناً للناس طوال الوقت.
حين يكون ظاهراً: يبيّن للناس ويدعوهم علناً.
وحين يكون خائفاً مستوراً: يبقى موجوداً، يُبلِّغ ويهدي بطرق خفية أو يكتفي وجوده ليكون برهاناً على الخلق أمام الله، حتى لا يقولوا (لم يكن لنا حجّة) .

عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، وفيه أنّه سُئل عن كيفية الانتفاع بالحجّة في زمن الغيبة فقال:

«وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبتها عن الأبصار السحاب»
(كمال الدين وتمام النعمة، ج 2، ص 485).
الانتفاع بالإمام في غيبته يشبه الانتفاع بالشمس المستورة بالسحاب، حيث لا تُرى الشمس مباشرة لكن ضوءها وحرارتها يصلان إلى الناس.
عن الإمام الصادق عليه السلام:
( لو لم يبقَ في الأرض إلا اثنان لكان أحدهما الحجة) .
وفي حديث آخر:
( من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) .
وهو دليل على ضرورة وجود إمام يُعرَف في كل زمان.

إذن وجوده بحد ذاته (ولو في الخفاء) يحفظ الدين ويمنع بطلان حجج الله.

( لئلا تبطل حجج الله وبيناته) .
إن الله يجعل دائمًا في الأرض من يقوم بحجّته، ظاهرًا أو مستورًا، حتى تبقى أدلته وشرائعه حيّة ولا تضيع ولا تنقطع عن الناس.

١- نبي الله يوسف عليه السلام في السجن

يوسف كان نبيًا لله وهو في السجن، غير ظاهر للناس ولا حاكم عليهم، ومع ذلك كان حجّة الله على من حوله. كان يعلّم التوحيد لمن في السجن ويبيّن لهم الدين في الخفاء.
هنا هو حُجّة مستورة لكن وجوده لم يُبطل حجج الله.

٢ – أصحاب الكهف
هؤلاء الفتية المؤمنون فرّوا بدينهم إلى الكهف خوفًا من بطش الملك. اختفوا عن أعين الناس، لكن وجودهم كان شاهدًا وحجّة على أهل زمانهم وعلى من جاء بعدهم، وبقي ذكرهم في القرآن.
هنا أيضًا الحُجّة مستورة لكن قائمة.
( وكم ذا؟ وأين أولئك؟ أولئك والله الأقلّون عدداً والأعظمون عند الله قدراً، يحفظ الله بهم حججه وبيّناته حتى يودّعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم) .
الشرح : كم ذا ؟ …. استبطاء لطول غيبة الامام المهدي عليه السلام .
( وأين اولئك ) : استفهام عن أمكنتهم وإشارة الي خفائها .
( اولئك والله الأقلون عددا والأعظمون عند الله قدرا ) .
أي: هؤلاء الحُجج أو الأوصياء أو أولياء الله عددهم قليل جدًا في كل زمان، ليسوا كثرة بين الناس.
والأعظمون عند الله قدراً
مع أنهم قلّة عددًا، فهم أعظم الخلق عند الله منزلةً وقدرًا، لأنهم القائمون بحجته وحفظ دينه.
(يحفظ الله بهم حججه وبيّناته).
الله يحفظ بوجود هؤلاء القلائل أدلته الواضحة وشرائعه ودينه، فلا يضيع ولا ينقطع عن الأرض.
(حتى يودّعوها نظراءهم).
أي: حتى يسلموا هذه الحجج والعلوم والأمانة إلى مَن يشبههم في الصفات من القائمين بعدهم (مثل تسليم العلم من إمام إلى إمام، أو من ولي إلى ولي).
(ويزرعوها في قلوب أشباههم).
أي: يغرسوا هذه العلوم والهداية في قلوب الذين يشبهونهم في الصفاء والاستعداد ليحملوا الرسالة من بعدهم.
( هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة ) .
أي أفاضت عليهم العناية الإلهية ، وانفتحت أمامهم أبواب المعارف .
( وباشروا روح اليقين ) .
أي: وصلوا إلى لبّ اليقين وروحه، حتى صار اليقين عندهم حالًا يعيشونه لا فكرةً فقط.
( واستلانوا ما استوعره المترفون ) .
اي سهل عليهم ما عسر على المتنعمين من الزهد والعبادة وجدوا طريق الطاعة والجهاد والعبادة سهلاً ليّنًا، بينما أهل الترف والراحة يرونه طريقًا صعبًا شاقًا عليهم.
( وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ).
أي: استأنسوا بأمور (مثل العبادة، الخلوة، العلم) يراها الجهّال وحشة أو عزلة، فصار ما ينفر منه الناس هو أنسهم.
او بمعنى الانقطاع الي الله تعالى والرغبة فيما عنده .

( وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى ) .
أي: أجسادهم موجودة في الدنيا يعيشون بين الناس، لكن أرواحهم متصلة بالعالم العلوي، بالله والآخرة.
تجردوا عن عوالم المادة واتصلت ارواحهم بالعوالم العلوية .
( اولئك خلفاء الله في أرضه ،والدعاة الي دينه ، آه آه شوقا الي رؤيتهم ، انصرف يا كميل إذا شئت .
اي الحاكمون بأمره ، قال تعالى ( وإذ قال ربك للملائكة ، إني جاعل في الأرض خليفة ) سورةً البقرة ٣٠ .
الدعاة الي دينه: الي اعتناق الإسلام والعمل باحكامه .
( آه آه شوقا الي رؤيتهم )
كلمة توجع ، (شوقا الي رؤيتهم) حبا ورغبة بلقائهم .

السيد مصطفى مرتضى .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *