السيد مصطفى مرتضىالسيد مصطفى مرتضى

Loading

الفطرة.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله خالق الإنسان، ومصوّره على أحسن تقويم، وجعل فيه ما يرشده إلى الحق والهدى، وغرس في أعماقه فطرةً نقيّة تميل إلى الخير والحقّ والجمال.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فطر السماوات والأرض على الحق، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، القائل:

“كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه.”
اللهم صلّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه المنجبين.


أيها الأحبة في الله

حديثنا اليوم عن الفطرة؛ تلك الجِبِلّةُ الطاهرة التي أودعها الله في كل إنسان، لتكون دليله الداخلي إلى الإيمان والخير.

أولاً: معنى الفِطرة

الفطرة في اللغة مأخوذة من الفَطْر، وهو الخَلق على هيئة مخصوصة.
وفي الاصطلاح: هي الهيئة التي خُلق عليها الإنسان متهيئًا لمعرفة الحق، ومحبّة الخير، وكراهية الشر.
فالفطرة هي ذلك النور الربّاني في أعماق النفس، الذي يُوجّه الإنسان نحو الإيمان بربّه، قبل أن تُعكّره الأهواء والشهوات.

قال تعالى:

“فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ”
(الروم: 30)
أي الزم الدين الذي وُفّقت له فطرةُ الإنسان السليمة.


ثانياً: أنواع الفطرة

الفطرة على قسمين:
1. فطرة عقلية: وهي ما يصطلح عليه المناطقة بـ”القضايا الفطرية” التي قياسها معها.
مثل قولنا: الكل أعظم من الجزء.
لا يحتاج العقل إلى برهان عليها، إذ يكفي تصور أطرافها ليُذعن بصحتها.
2. فطرة قلبية (شهودية): وهي التي لا تحتاج إلى دليل أو وسط، بل تكون حاضرة بالعلم الحضوري في النفس،
كالشعور بالذات، أو بالألم، أو بالحب، كحبّ الأم لأبنائها.


ثالثاً: الفرق بين الفطرة والغريزة

الغريزة هي جهة مشتركة بين الإنسان والحيوان، مثل غريزة الشهوة أو حب الطعام.
وللغريزة قوتان أساسيتان:
1. القوة الغضبية (السبعية): وظيفتها دفع المفسدة.
2. القوة الشهوية: وظيفتها جلب المنفعة كالأكل والتناسل.

أما الفطرة، فهي خاصّة بالإنسان وحده، وتميزه عن الحيوان.
وجوهر الفرق بينهما أن الفطرة، إذا تُركت بلا موانع، دلّت الإنسان على معرفة الله تعالى،
أما الغريزة فتحتاج إلى تنظيمٍ بالعقل لأنها تميل إلى تحقيق المنفعة بأي وسيلة.


رابعاً: موانع الفطرة

قد تتعطل حركة الفطرة بسبب الموانع كالتعلق بالمادة والماديات، أو البيئة المنحرفة والملحدة.
فإذا زالت هذه الموانع، عادت الفطرة إلى مسارها الصحيح.


خامساً: خصائص الفطرة

للفطرة ثلاث خصائص أساسية:
1. العمومية والشمولية
فكل البشر مخلوقون على الفطرة، في كل الأزمان، منذ آدم عليه السلام إلى اليوم.
(وهذا دليل على وحدة الأصل الإنساني في التوحيد.)
2. الثبات وعدم الزوال
الأمور الفطرية لا تزول، مثل حبّ الأم لأولادها، أو الميل إلى الكمال، أو الإيمان بالله تعالى.
لكن تختلف مصاديق الكمال من شخص لآخر، فمنهم من يراه في المال أو الجمال أو السلطة،
ومنهم من يراه في القرب من الله، كما قال الإمام علي عليه السلام:
“ما عبدتك خوفًا من نارك، ولا طمعًا في جنتك، ولكن وجدتك أهلًا للعبادة فعبدتك.”
3. عدم القابلية للتعليل
الأمور الفطرية لا تُسأل بـ “لماذا؟”، لأنها من طبيعة الخلق.
فالأم تحب أبناءها لأنها أم، والإنسان مفكّر لأنه مخلوق مفكرًا،
وهذا ما يسمى بالجعل البسيط، أي أن الله جعل الإنسان بهذه الصفات مباشرة.


خاتمة

الفطرة إذًا هي الميزان الإلهي في الإنسان، إن تُركت سليمة دلت على الله،
وإن غمرها الهوى أو الجهل، حجبت نورها.
فلنحرص على صفاء فطرتنا بالإيمان والعمل الصالح،
فمن حفظ فطرته، حفظ إنسانيته، ومن أضاعها، أضاع طريقه إلى الله.

السيد مصطفى مرتضى .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *