محمد جواد الدمستانيمحمد جواد الدمستاني

Loading

الفقر يُخرس الفطن عن حجته
 
محمد جواد الدمستاني
روي عن أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة قوله «الْفَقْرُ يُخْرِسُ الْفَطِنَ عَنْ حُجَّتِهِ»، من مجموعة حكم في قوله (ع) «الْبُخْلُ عَارٌ، وَ الْجُبْنُ مَنْقَصَةٌ، وَ الْفَقْرُ يُخْرِسُ الْفَطِنَ عَنْ حُجَّتِهِ، وَ الْمُقِلُّ غَرِيبٌ فِي بَلْدَتِهِ»1.
 
الفقير لا يقدر الكلام بما عنده من حجة و بيان و إثبات للشعور النفسي بالضيق أو المذلة، و قلة الثقة، و الشعور بعدم الإصغاء له و إن كان فطنا ناطقا، و لانشغال فكره و قلة تركيزه في فقره و عيشه، و ذلك يؤدي إلى عدم قدرة صاحبه على إبداء الحجة لحاجتها إلى تركيز و تفرغ «فَإِنَّ الْفَقْرَ .. مَدْهَشَةٌ لِلْعَقْلِ»2، فيعجز عن تقديم الحجة فهو كالأخرس.
إلا أن يكون الفقر بفعل قوى خارجية تضغط عليه لإخضاعه أو تحقيق تنازلات منه، كالمجاهدين في ساحات الحرب، و المناضلين في سجون الطغاة، قد يعيشون الفقر المالي و لكنهم أغنياء النفس و الكرامة أقوياء الحجة و الدليل، و هذا ليس عزيزا فإن الطغاة كثيرا ما استعملوا الجزرة و الترغيب بعد أن تكسرت العصا و انهارت القوة.
فالحكمة تشير إلى أثر المال و الغنى في قوة الحجة و البيان، و أثر الفقر في ضعف قدرة الإنسان في حجته و في فكرته و موقفه، و كأنّ الفقر قوة قادرة على إسكات صاحبها عن دليله و برهانه، يقابلها قوة الغني في تلك القدرة، و هذا من آثار الفقر و الغنى، و آثار المال في ترجيح كفة صاحبه في الحجة و المنطق، بل يزيد صاحبه منطقا، و يضعف فاقده حتى يخرسه.
و المجتمعات عامة تتعامل بتمييز طبقي بين الأغنياء و الفقراء، فيُجامل الغني و إن كان سفيها و على باطل، و يحظى بتوقير و يُعطى أهمية و مكانة قد لا يستحقهما، و أما الفقير فإنّه لا يحظى باحترام و تقدير و إن كان محقا و يهمّش و إن كان ذو عقل سليم و علم واسع، و قد قال أمير المؤمنين (ع): «اَلْفَقِيرُ حَقِيرٌ، لاَ يُسْمَعُ كَلاَمُهُ، وَ لاَ يُعْرَفُ مَقَامُهُ، وَ لَوْ كَانَ اَلْفَقِيرُ صَادِقاً يُسَمُّونَهُ كَاذِباً، وَ لَوْ كَانَ زَاهِداً يُسَمُّونَهُ جَاهِلاً»3.

1 – نهج البلاغة، حكمة 3

2 – نهج البلاغة، حكمة 319

3 – جامع الأخبار(معارج اليقين في أصول الدين )، الشيخ محمد الشعيري السبزواري، ص ٣٠٠ (قَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ لِلْحَسَنِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ: لاَ تَلُمْ إِنْسَاناً يَطْلُبُ قُوتَهُ فَمَنْ عَدِمَ قُوتَهُ كَثُرَ خَطَايَاهُ يَا بُنَيَّ اَلْفَقِيرُ حَقِيرٌ لاَ يُسْمَعُ كَلاَمُهُ وَ لاَ يُعْرَفُ مَقَامُهُ وَ لَوْ كَانَ اَلْفَقِيرُ صَادِقاً يُسَمُّونَهُ كَاذِباً وَ لَوْ كَانَ

2 / 2
و الكلام عن عدم قدرة الفقير في بيان حجته و منطقه، أما مع تطور الخلاف مع الفقير في نزاع أو خصومة و وصوله إلى قاعات المحاكم فإنّ الفقير يعجز عن تدبير متطلبات القضاء من تقديم دعوى و دفاع محاكم و توكيل محام أو تهيئة وثائق و مستندات و حتى مواصلات و شؤون أخرى و هو مشغول بتوفير قوته اليومي، فيفقده ذلك حجته و حضوره فكأنّ الفقر أخرسه عنوة و قسرا.
كما أنه يفتقد الوسائل، و الجرأة، و المكانة الاجتماعية التي تساعد على إيصال صوته و بيان حجته، كما يخشى من عواقب شجاعته في المجتمعات الظالمة فاقدة العدالة و وسائلها، فلا يستطيع بيان حجته.
و يستفاد من الحكمة بضرورة إنصاف الفقير في إبداء حجته، فلا يمنعه فقره من إبدائها، و لا فقره من ورود المحاكم، فعلى المجتمعات أن تهيئ له وسائل ذلك للدفاع عن نفسه، فالحكمة تتضمن نقدا للمحتمعات المالية و الطبقية، و دعوة لهم إلى الإنصاف و العدل.

زَاهِداً يُسَمُّونَهُ جَاهِلاً يَا بُنَيَّ مَنِ اُبْتُلِيَ بِالْفَقْرِ فَقَدِ اُبْتُلِيَ بِأَرْبَعِ خِصَالٍ بِالضَّعْفِ فِي يَقِينِهِ وَ اَلنُّقْصَانِ فِي عَقْلِهِ وَ اَلرِّقَّةِ فِي دِينِهِ وَ قِلَّةِ اَلْحَيَاءِ فِي وَجْهِهِ فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ اَلْفَقْرِ)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *