![]()
أهمية كتمان البلاء و الضر
«رضي بالذل من كشف عن ضره»
محمد جواد الدمستاني
يبتلي الإنسان و يتعرض للأضرار فهذه طبيعة الإنسان في هذه الحياة و ليس صائبا أن ينشر أو يخبر بما يتعرض له، روي عن أمير المؤمنين (ع) قوله «وَ رَضِيَ بِالذُّلِّ مَنْ كَشَفَ عَنْ ضُرِّهِ»[1]، من الحكمة الثانية في نهج البلاغة من قوله (ع): «أَزْرَى بِنَفْسِهِ مَنِ اسْتَشْعَرَ الطَّمَعَ، وَ رَضِيَ بِالذُّلِّ مَنْ كَشَفَ عَنْ ضُرِّهِ، وَ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ مَنْ أَمَّرَ عَلَيْهَا لِسَانَهُ»[2].
و الكلام حول ما يؤديه الكشف عن الضرّ أو الأضرار من شدة و سوء حال و فقر و مرض إلى الناس و الشكوى إليهم و الاعتياد على ذلك من قبول و رضا بالذل «رَضِيَ بِالذُّلِّ مَنْ كَشَفَ عَنْ ضُرِّهِ»، فمن أظهر للناس فقره و ضعفه و بلاءه، من غير ضرورة أو حكمة، فقد قبل اختيارا أن يُذَلّ، و فتح الباب للآخرين ليتعاملوا معه برغباتهم.
و لعل هذا راجع إلى النظرة القصيرة لعموم النّاس في تقييم الآخرين على أساس أوضاعهم و أموالهم و ليس بصفاتهم النبيلة و فضائلهم، و في غرر الحكم «مَنْ كَشَفَ ضُرَّهُ لِلنَّاسِ عَذَّبَ نَفْسَهُ»[3]، فلا يزيد الكاشف ضرّه و الشاكي إلى الناس إلا مزيدا من المعاناة و العذاب.
فالشكوى تكون إلى الله سبحانه لا إلى الناس، و لا فائدة من الشكوى إليهم إذ لا تجلب نفعا أو تدفع نقما، بل هي تسوء المحب و تسر المبغض، نعم وردت الشكوى إلى المؤمن فهو حبيب الله فالشكوى إليه شكوى إلى الله سبحانه و تعالى، قال (ع): «مَنْ شَكَا الْحَاجَةَ إِلَى مُؤْمِنٍ فَكَأَنَّهُ شَكَاهَا إِلَى اللَّهِ»[4].
و في عدم الشكوى رُوي عن أمير المؤمنين (ع) في صفات أخيه الكامل، قال: «كَانَ لَا يَشْكُو وَجَعاً إِلَّا عِنْدَ بُرْئِهِ»[5].
و الأضرار و الابتلاءات و الأمراض تصيب كل الناس و هي ابتلاءات عامة، لكن المشكلة في كشف و إظهار تلك الأضرار دون وعي أو حساب، فذلك قد يفقد الإنسان مكانته و يجعل الآخرين ينظرون إليه بنظرات لا يرتضيها من شفقة أو استعلاء أو ازدراء و إهمال.
فالحكمة حث على الستر و الصبر و الرضا و الاستعانة بالله، لا إظهار الشكوى للناس فيظهر ضعف الإنسان و قلة حيلته فتقل هيبته و مكانته، و دعوة إلى حفظ العزّة و الكرامة حتى في أصعب الظروف، قال تعالى: «لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا»[6].
-
– نهج البلاغة، حكمة 2 ↑
-
– نهج البلاغة، حكمة 2 ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص٦٢٢، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٦٢ ↑
-
– نهج البلاغة، حكمة 427، وَ قَالَ (عليه السلام): «مَنْ شَكَا الْحَاجَةَ إِلَى مُؤْمِنٍ فَكَأَنَّهُ شَكَاهَا إِلَى اللَّهِ وَ مَنْ شَكَاهَا إِلَى كَافِرٍ فَكَأَنَّمَا شَكَا اللَّهَ». ↑
-
– نهج البلاغة، حكمة 289 ↑
-
– سورة البقرة، آية 273 ↑
