محمد جواد الدمستانيمحمد جواد الدمستاني

Loading

الطمع و آثاره على النفس

«أزرى بنفسه من استشعر الطمع»

محمد جواد الدمستاني

الطمع صفة رذيلة و لها آثار على النفس، روي عن أمير المؤمنين (ع)، قال: «أَزْرَى بِنَفْسِهِ مَنِ اسْتَشْعَرَ الطَّمَعَ»[1].

من الحكمة الثانية في نهج البلاغة من قوله (ع): «أَزْرَى بِنَفْسِهِ مَنِ اسْتَشْعَرَ الطَّمَعَ، وَ رَضِيَ بِالذُّلِّ مَنْ كَشَفَ عَنْ ضُرِّهِ، وَ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ مَنْ أَمَّرَ عَلَيْهَا لِسَانَهُ»[2].

و الطمع هو الرغبة الشديدة للحصول على الشيء، و لازمه الرغبة فيما في أيدي الناس و الخضوع لهم و الحاجة إليهم و مسايرتهم، مما يؤدي إلى إهانة الطامع نفسه و تصغيرها و إذلالها و قال (ع): «الطَّامِعُ فِي وِثَاقِ الذُّلِّ»[3]، و «قُرِنَ الطَّمَعُ بِالذُّلِّ»[4]، حتى تصير النفس غير قادرة على الاستقلال و تفقد الإباء.

فمن جعل الطمع شعارا له و ملازما لشخصيته و إحدى صفاته اللصيقة به التي يوصف بها حقّر و أزرى و ازدرى نفسه، و انتقص من قدره بنفسه قبل انتقاص و ازدراء الآخرين له.

و إذا أنتقص الإنسان قدره و أزرى بنفسه فلا ينتظر من الآخرين الاحترام له و التعظيم، بل سينظرون له باستخفاف و استنقاص إذ إنّه يضحي بالكرامة و المبادئ و القيم بسبب طمعه.

و هذا مرض نفسي ينبغي العلاج منه ابتداء قبل استفحاله فإنه يدمر صاحبه فيفقده الطمأنينة و يستبدلها بالقلق و الاضطراب، و الطمع يُفقد الإنسان عزته و كرامته؛ إذ إنّ حاجته بيد غيره يتحكم به و يديره، فيضطر للتنازل و الرضوخ له طلبا في تحقيق رغباته، و يضطر إلى التنازل عن القيم و المبادئ و الحدود التي وضعها لنفسه، هذا الرضوخ هو إزراء للنفس قام به هو بنفسه ابتداء، فينتج ازدراء الآخرين له أيضا.

بل قد يذل الطمع صاحبه حتى يوصله إلى الهلاك، فمن وصية أمير المؤمنين (ع) لابنه الإمام الحسن (ع)، المروية في نهج البلاغة، قال (ع): «وَ إِيَّاكَ أَنْ تُوجِفَ بِكَ مَطَايَا الطَّمَعِ فَتُورِدَكَ مَنَاهِلَ الْهَلَكَةِ، وَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَلَّا يَكُونَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ ذُو نِعْمَةٍ فَافْعَلْ، فَإِنَّكَ مُدْرِكٌ قَسْمَكَ وَ آخِذٌ سَهْمَكَ، وَ إِنَّ الْيَسِيرَ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَعْظَمُ وَ أَكْرَمُ مِنَ الْكَثِيرِ مِنْ خَلْقِهِ وَ إِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُ»[5].

و المعنى هو التنفير من رذيلة الطمع التي تقابلها فضيلة القناعة، و آثاره تقابل آثارها، فمن آثار القناعة العزّ و الإباء و الكرامة، فالقناعة بما عند الإنسان و الاكتفاء بما عنده أعزّ و أكرم له مما في أيدي النّاس، قال الإمام زين العابدين (ع) للزهري: «وَ اِعْلَمْ أَنَّ أَكْرَمَ اَلنَّاسِ عَلَى اَلنَّاسِ مَنْ كَانَ خَيْرُهُ فَائِضاً عَلَيْهِمْ، وَ كَانَ عَنْهُمْ مُسْتَغْنِياً مُتَعَفِّفاً، وَ أَكْرَمُ اَلنَّاسِ بَعْدَهُ عَلَيْهِمْ مَنْ كَانَ عَنْهُمْ مُتَعَفِّفاً وَ إِنْ كَانَ إِلَيْهِمْ مُحْتَاجاً»[6].

فالمناعة الذاتية بالقناعة و التعفف و الكرامة و عزّة النفس تمنع ذلك كله من الذل و الهوان، فتأبى الإقبال على الطمع ابتداء، و هذا المراد من الحكمة.

و هذا التنفير تكرر في نهج البلاغة، قال (ع): «الطَّمَعُ رِقٌّ مُؤَبَّدٌ»[7]، و «أَكْثَرُ مَصَارِعِ الْعُقُولِ تَحْتَ بُرُوقِ الْمَطَامِعِ»[8]، فالطمع صفة رذيلة ينبغي اجتنابها، روي عن الإمام الباقر (ع): «بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ لَه طَمَعٌ يَقُودُه، وبِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ لَه رَغْبَةٌ تُذِلُّه»[9]، و عن الإمام الصادق (ع): «قَالَ مَا أَقْبَحَ بِالْمُؤْمِنِ أَنْ تَكُونَ لَه رَغْبَةٌ تُذِلُّه»[10].

  1. – نهج البلاغة، حكمة 2

  2. – نهج البلاغة، حكمة 2

  3. – نهج البلاغة، حكمة 226

  4. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص٤٩٧

  5. – نهج البلاغة، وصية 1

  6. – – تفسير الإمام العسكري (ع)، المنسوب إلى الإمام العسكري (ع)، ص٢٧، بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج٦٨، ص٢٣٠، «وَ اِعْلَمْ أَنَّ أَكْرَمَ اَلنَّاسِ عَلَى اَلنَّاسِ مَنْ كَانَ خَيْرُهُ فَائِضاً عَلَيْهِمْ، وَ كَانَ عَنْهُمْ مُسْتَغْنِياً مُتَعَفِّفاً، وَ أَكْرَمُ اَلنَّاسِ بَعْدَهُ عَلَيْهِمْ مَنْ كَانَ عَنْهُمْ مُتَعَفِّفاً وَ إِنْ كَانَ إِلَيْهِمْ مُحْتَاجاً، فَإِنَّمَا أَهْلُ اَلدُّنْيَا يَعْشَقُونَ اَلْأَمْوَالَ فَمَنْ لَمْ يُزَاحِمْهُمْ فِيمَا يَعْشَقُونَهُ كَرُمَ عَلَيْهِمْ، وَ مَنْ لَمْ يُزَاحِمْهُمْ فِيهَا وَ مَكَّنَهُمْ مِنْهَا أَوْ مِنْ بَعْضِهَا كَانَ أَعَزَّ وَ أَكْرَمَ».

  7. – نهج البلاغة، حكمة 180

  8. – نهج البلاغة، حكمة 219

  9. – الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص٣٢٠

  10. – الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص٣٢٠

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *