محمد جواد الدمستانيمحمد جواد الدمستاني

Loading

شجاعة الصبر و قوة التحمّل

«الصبر شجاعة»

محمد جواد الدمستاني

روي عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة «الصَّبْرُ شَجَاعَةٌ».

و في البحار عنه (ع) «الشَّجاعَةُ صَبرُ ساعَةٍ».

قد تعصف بالإنسان أحوال و أهوال شديدة فيقابلها و يتصرف معها كلٌ حسب وضعه النفسي و المعنوي، فإذا ضبط الإنسان نفسه أمام تلك العواصف و المشقات و الأحداث الكبيرة التي تزلزل حياة الأفراد أو الأمم فلم يضطرب و لم يتراجع فهو شجاع، فهذا الصبر هو من نوع الشجاعة و هي قوة معنوية قلبية لا يمتلكها  إلا أصحابها، و حينما يصبر الإنسان في مواجهة مصاعب الحياة ومشاكلها فلا ينهزم أمامها أو ينسحب تحت ضرباتها فهذه شجاعة.

و حيث تتحمل النفس الصابرة الصعوبات و المكاره فإنّ ذلك شجاعة، و حينما تكثر الضغوط على الإنسان و المضايقات من الطغاة فيصبر دون خوف و خشية منهم فتلك شجاعة، و حينما يتعرض الإنسان لحروب و شدائد لكسر إرادته و هزيمته فيقف شامخا متصديا و محاربا ثابتا حتى النصر أو الشهادة فتلك شجاعة، روي عن الإمام الحسن عليه السلام و قد سُئلَ عن‌ِالشَّجاعةِ – : «مُواقَفَةُ الأقرانِ، و الصَّبرُ عِندَ الطِّعانِ»، و سئل عن الجرأة ؟ قال(ع): «مُواقَفَةُ الأقرانِ».

فالصبر شجاعة و بأس و رباطة جأش و شدة و قوة معنوية و التزام بقيم و حدود لا تأتى لكل أحد و إنما لها أصحابها الصابرون الثابتون الشجعان، فهو يتطلب قوة داخلية و إرادة و ثبات في مواجهة الصعوبات، كما يتطلب القتال شجاعة في ميدان الحرب و عند المخاطر.

و الحكمة تدعو إلى التحلي بصفة الصبر و اعتباره قيمة إيجابية و قوة معنوية و تحفّز على الشجاعة، و كأنّ الصبر معركة داخلية في نفس الإنسان يخوضها الصابر بنجاح ضد التسرّع و الجزع و القلق و الاضطراب.

و المعنى الأولي للحكمة هو أنّ الصبر و قوة التحمل في مواجهة الصعاب و الثبات عند الشدائد نوعا من أنواع الشجاعة، فهو قدرة نفسية و فكرية في مواجهة الصعوبات و الابتلاءات دون الركون إلى الجزع و الاضطراب، و لإطلاق الحكمة بشجاعة الصبر مصاديق واسعة أبرزها ميادين الحرب و القتال، و منها ميادين السياسة و مجالات القضاء و الحكم و الاقتصاد و الصبر عند البلاء و المصيبة، فكل تلك المواقف تحتاج صبر يلازمه شجاعة، فإنّ السياسي الصبور على مواقفه و مبادئه دون الرضوخ إلى المساومات و التنازلات و الإغراءات شجاع، و القاضي الجبان لا يحكم بالعدل عند الامتحان و الضغوط بل الشجاع من يفعل ذلك، و الاقتصادي قد ينهار عند أول خسارة مع عدم الصبر و الصابر هو من يتجاوز الخسائر و المحن المالية، و المؤمن الصابر في سجون الظالمين هو الشجاع الذي يكسر غرورهم و غطرستهم، و الفقير الصابر على الفقر و تحمّل مشقاته و تزيينه بالعفة دون الضياع و الضلال دون التعدي و اليأس هو شجاع، و الصابر في المصيبة دون جزع و هلع بل اللجوء إلى الله سبحانه و تعالى شجاع، قال تعالى: «وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ»، و قد أمر الله سبحانه بالصبر: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ».

و قد صبر نبي الله أيوب على المرض حتى شافاه الله، و صبر الإمام الحسين عليه السلام على المصائب في كربلاء حتى استشهد، و كتب عليه السلام  وصية لأخيه محمد و فيها: «فَمَنْ قَبِلَنِي بِقَبُولِ اَلْحَقِّ فَاللَّهُ أَوْلَى بِالْحَقِّ، وَ مَنْ رَدَّ عَلَيَّ هَذَا أَصْبِرُ حَتَّى يَقْضِيَ اَللَّهُ بَيْنِي وَ بَيْنَ اَلْقَوْمِ بِالْحَقِّ،وَ هُوَ خَيْرُ اَلْحٰاكِمِينَ».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *