محمد جواد الدمستانيمحمد جواد الدمستاني

Loading

حول الخضاب مظهر للقوة، و ضرورة الحفاظ على الهوية

«غيّروا الشيب و لا تشبّهوا باليهود .. إنما قال الرسول ذلك و الدين قُلٌّ، فأما الآن و قد اتسع نطاقه و ضرب بجرانه فامرؤٌ و ما اختار».

محمد جواد الدمستاني

إنّ لكل شيء ما يناسبه ففي الحرب و ميادين القتال فإنّ المناسب أن يظهر الجنود بمظهر القوة و الشباب و الفتوة فذلك أرهب للعدوّ، و هذا ما كان المسلمون يعملونه في بداية الإسلام، ففي نهج البلاغة قال أمير المؤمنين (ع) عندما «سُئِلَ (عليه السلام) عَنْ قَوْلِ الرَّسُولِ (صلى الله عليه وآله) غَيِّرُوا الشَّيْبَ وَ لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ، فَقَالَ (عليه السلام): إِنَّمَا قَالَ (صلى الله عليه و آله) ذَلِكَ وَ الدِّينُ قُلٌّ، فَأَمَّا الْآنَ وَ قَدِ اتَّسَعَ نِطَاقُهُ وَ ضَرَبَ بِجِرَانِهِ فَامْرُؤٌ وَ مَا اخْتَارَ»[1].

و النطاق ثوب تلبسه المرأة، و الجِران هو باطن العنق من البعير و غيره، و ضرب بجرانه أي ثبت و استقر، كناية عن قوة الدين و أنصاره.

و تغيير الشيب أي تغيير لون الشعر الأبيض بالحناء أو غيره، أما عدم التشبه باليهود فإنّهم – كما في الرواية – لا يغيّرونه بل يتركون الشعر أبيضا، و روت كتب العامة «غَيِّرُوا الشَّيْبَ وَ لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ»[2]، و في بعضها إضافة النصارى «غَيِّرُوا الشَّيْبَ وَ لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ و النَّصَارَى»[3]، و في كتب العامة أيضا عن رسول الله (ص) «إنّ اليهود و النصارى لا يصبغون فخالفوهم»[4].

و من الرواية أنّ هذا الأمر إلزامي أو شبه إلزامي بمقابلة جملة «فَامْرُؤٌ وَ مَا اخْتَارَ» أي بعد انتشار الإسلام و زيادة المسلمين «اتَّسَعَ نِطَاقُهُ وَ ضَرَبَ بِجِرَانِهِ» فللمسلم أن يختار أن يترك شعره أبيضا أو يخضبه، ذلك أن الحاجة إلى إظهار القوة العسكرية و الشبابية بالخضاب لم تعد ملحة بنفس المقدار، أما في المرحلة الأولى حيث «الدِّينُ قُلٌّ» و كان المسلمون قليلي العدد و العدة، و محاطين بالأعداء و يخوضون حروبا متتابعة كان الأمر و التوجيه بتغيير الشيب بالخضاب أو الحنّاء للأسباب العسكرية و النفسية، حيث يظهرون بعد الخضاب أقل عمرا و أكثر قوة و أرهب في عيون أعدائهم، فالشعر بعد الخضاب يدل على الشباب و القوة، بينما الشيب يوحي بكبر العمر و الضعف.

و الرواية عن النبي (ص) «و لا تَشَبَّهُوا..» نهي عن التشبه بالأديان الأخرى و الحفاظ على الاستقلال و الهوية الدينية الخاصة بالمسلمين و تجنّب التأثير الديني و الثقافي للآخرين، قال (ع) في مقام آخر في نهج البلاغة: «فَإِنَّهُ قَلَّ مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ إِلَّا أَوْشَكَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ»[5]، و هذا التشبّه يُفقد الهوية و هو مشاهد عند بعض الشبان المسلمين في الاحتفالات التي يقومون بها في أعياد غيرهم، بل إنّ بعض المناطق تشهد مبالغة في هذه الاحتفالات حتى تفوق أصحابها الأصليين، مما يوقعهم في إشكالات اجتماعية و شرعية.

و رُوي عدد من الروايات في عدم التشبّه بالثقافات و الأديان الأخرى تؤكد ضرورة الحفاظ على الهوية الإسلامية المستقلة و عدم التقليد الأعمى لثقافات و عادات و مراسم الغير و خاصة إذا كانت تتعارض مع قيم و تعاليم الدين، و في روايات التشبّه رُوي في عدم التشبّه بالأعداء عن الإمام الصّادق عليه السلام قَالَ: «أَوْحَى اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ لاَ تَلْبَسُوا لِبَاسَ أَعْدَائِي، وَ لاَ تَطْعَمُوا طَعَامَ أَعْدَائِي، وَ لاَ تَسْلُكُوا مَسَالِكَ أَعْدَائِي، فَتَكُونُوا أَعْدَائِي كَمَا هُمْ أَعْدَائِي»[6].

و في عدم التشبّه باللباس و الأطعمة، رُوي: كانَ أميرُ المؤمنين عليه السلام يَقولُ: «لا تَزالُ هذهِ الامّةُ بخيرٍ ما لَم يَلبِسوا لِباسَ العَجم، و يَطعِموا أطعِمةَ العَجمِ، فَإذا فَعَلوا ذلكَ ضَرَبَهُم اللَّهُ بالذلّ»[7]، أي خير الأمة في استقلالها و الحفاظ على هويتها، فإذا فقدتهما و صارت تابعة في الملبس و المأكل و غيرهما أصبحت ذليلة خاضعة صاغرة.

و ذُكر في عدم التشبّه بلباس الجبابرة ما رُوي عن الإمام زين العابدين (ع): حَدَّثَتني أسماءُ بِنتُ عُمَيسٍ قالَت: كُنتُ عِندَ فاطمةَ عليها السلام إذ دَخَلَ علَيها رسولُ اللَّهِ و في عُنُقِها قِلادَةٌ مِن ذَهَبٍ، كانَ اشتَراها لها عليُّ بنُ أبي طالبٍ عليه السلام مِن فَيءٍ، فقالَ لَها رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله: يا فاطمةُ، لا يقولُ الناسُ: إنَّ فاطمةَ بنتَ محمّدٍ تَلبَسُ لِباسَ الجَبابِرَةِ، فَقَطَّعَتها و باعَتها واشتَرَت بها رَقَبَةً فَأعتَقَتها، فَسُرَّ بذلكَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه و آله[8].

و قوله عليه السلام: «فَامْرُؤٌ وَ مَا اخْتَارَ»، بمعنى إنّ للمسلم الخيار في استعمال الخضاب إن شاء و لا يعني نفي الاستحباب، و قد وردت فيه عدد من الروايات.

و ورد في فوائد الخضاب روايات عدة، إحداها الظهور بمظهر القوة و الشباب في الحرب و قد رُوي: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّه (ص) فِي غَزَاةٍ غَزَاهَا أَنْ يَخْتَضِبُوا بِالسَّوَادِ لِيَقْوَوْا بِه عَلَى الْمُشْرِكِينَ»[9].

و رُويت في فوائده محبة النساء و إدخال السرور عليهن، و الزينة و الاعتناء بالمظهر، و منها في عفّة النساء: «إِنَّ فِي الْخِضَابِ أَجْراً، و الْخِضَابُ و التَّهْيِئَةُ مِمَّا يَزِيدُ اللَّه عَزَّ وجَلَّ فِي عِفَّةِ النِّسَاءِ»[10].

و منها في خصاله من مهيبة و محبة و زيادة: «فِي الْخِضَابِ ثَلَاثُ خِصَالٍ مَهْيَبَةٌ فِي الْحَرْبِ، و مَحَبَّةٌ إِلَى النِّسَاءِ، و يَزِيدُ فِي الْبَاه»[11].

و رُوي في فضله «نَفَقَةُ دِرْهَمٍ فِي الْخِضَابِ أَفْضَلُ مِنْ نَفَقَةِ دِرْهَمٍ فِي سَبِيلِ اللَّه،..، و تَفْرَحُ بِه الْمَلَائِكَةُ، و يَسْتَبْشِرُ بِه الْمُؤْمِنُ، و يَغِيظُ بِه الْكَافِرُ، ..»[12]

و في الروايات تحذير من تأخير الخضاب منعا لظهور بياض مقدار من أصول الشعر «إِيَّاكَ و نُصُولَ الْخِضَابِ فَإِنَّ ذَلِكَ بُؤْسٌ»[13]، و نَصَل اللون أي تغيَّر و زال، و المعنى هو الترغيب باستمرار استعمال الخضاب لئلا يظهر الشيب.

و في الحكمة إشارة إلى تغيير الحكم لتغير سببه فإنّ الأمر بتغيير الشيب كان لازما أو مؤكدا في أول الإسلام، و لكن في العقود اللاحقة ارتفع هذا التأكيد و تحوّل الحكم عن الإلزام.

  1. – نهج البلاغة، حكمة 17

  2. – موطأ الإمام مالك (مؤسسة زايد)، الإمام مالك، ج ١، ص ١٧٠، الطبقات الكبرى، ابن سعد، ج ١، ص ٤٣٩، مسند الإمام أحمد بن حنبل، الإمام أحمد بن حنبل، ج ١،ص ١٦٥

  3. – الطبقات الكبرى، ابن سعد، ج ١، ص ٤٣٩، مسند الإمام أحمد بن حنبل، الإمام أحمد بن حنبل، ج٢، ص ٢٦١، و نقلها الشيخ الصدوق عنهم بسندهم في مجال الردّ عليهم في الخصال، الصفحة ٤٩٨، قال الشيخ الصدوق بعد ذكر هذه الرواية :إنما أوردت هذين الخبرين في الخضاب أحدهما عن الزبير والآخر عن أبي هريرة لأنّ أهل النصب ينكرون على الشيعة استعمال الخضاب ولا يقدرون على دفع ما يصح عنهما و فيهما حجة لنا عليهم.

  4. – مسند أحمد بن حنبل، أحمد بن حنبل، ج٢، ص ٢٤٠، صحيح البخاري البخاري، ج٤، ص ١٤٥، صحيح مسلم، مسلم النيسابوري، ج٦، ص١٥٥

  5. – نهج البلاغة، حكمة 207 (إِنْ لَمْ تَكُنْ حَلِيماً فَتَحَلَّمْ فَإِنَّهُ قَلَّ مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ إِلَّا أَوْشَكَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ).

  6. – علل الشرائع، الشيخ الصدوق، ج ٢، ص ٣٤٨، عيون أخبار الرضا (ع)، الشيخ الصدوق، ج ٢، ص ٢٥ (عن علي أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول الله (ص): لا تلبسوا لباس أعدائي ولا تطعموا مطاعم أعدائي و تسلكوا مسالك أعدائي فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي)، وسائل الشيعة (آل البيت)، الحر العاملي، ج ١٥، ص (١٤٦ (أوحَى اللَّهُ إلى نَبِيٍّ مِنَ الأنبياءِ أن قُلْ لِقَومِكَ: لا تَلبَسُوا لِباسَ أعدائي، و لا تَطعموا مَطاعِمَ أعدائي، و لا تُشاكِلُوا بما شاكَلَ أعدائي، فَتَكُونوا أعدائي كما هُم أعدائي).

  7. – المحاسن، أحمد بن محمد بن خالد البرقي، ج ٢، ص ٤١٠، ص ٤٤٠، ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج ٥، ص ٤٧٨

  8. – عيون أخبار الرضا (ع)، الشيخ الصدوق، ج ٢، ص 49، بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج ٤٣، ص ٨١

  9. – الكافي، الشيخ الكليني، ج ٦، ص ٤٨١ ((عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ دَخَلَ قَوْمٌ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ص فَرَأَوْه مُخْتَضِباً بِالسَّوَادِ فَسَأَلُوه عَنْ ذَلِكَ فَمَدَّ يَدَه إِلَى لِحْيَتِه ثُمَّ قَالَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّه ص فِي غَزَاةٍ غَزَاهَا أَنْ يَخْتَضِبُوا بِالسَّوَادِ لِيَقْوَوْا بِه عَلَى الْمُشْرِكِينَ).

  10. – الكافي، الشيخ الكليني، ج ٦، ص ٤٨٠(قَالَ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ (ع) وقَدِ اخْتَضَبَ بِالسَّوَادِ فَقُلْتُ أَرَاكَ قَدِ اخْتَضَبْتَ بِالسَّوَادِ فَقَالَ إِنَّ فِي الْخِضَابِ أَجْراً والْخِضَابُ والتَّهْيِئَةُ مِمَّا يَزِيدُ اللَّه عَزَّ وجَلَّ فِي عِفَّةِ النِّسَاءِ ولَقَدْ تَرَكَ النِّسَاءُ الْعِفَّةَ بِتَرْكِ أَزْوَاجِهِنَّ لَهُنَّ التَّهْيِئَةَ قَالَ قُلْتُ بَلَغَنَا أَنَّ الْحِنَّاءَ يَزِيدُ فِي الشَّيْبِ قَالَ أَيُّ شَيْءٍ يَزِيدُ فِي الشَّيْبِ الشَّيْبُ يَزِيدُ فِي كُلِّ يَوْمٍ).

  11. – الكافي، الشيخ الكليني، ج ٦، ص ٤٨١ (عَنْ أَبِي الْحَسَنِ (ع) قَالَ: فِي الْخِضَابِ ثَلَاثُ خِصَالٍ: مَهْيَبَةٌ فِي الْحَرْبِ، و مَحَبَّةٌ إِلَى النِّسَاءِ، و يَزِيدُ فِي الْبَاه)

  12. – الكافي، الشيخ الكليني، ج ٦، ص ٤٨٢ (عن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ مِهْرَانَ عَنْ أَبِيه رَفَعَه قَالَ قَالَ النَّبِيُّ (ص) نَفَقَةُ دِرْهَمٍ فِي الْخِضَابِ أَفْضَلُ مِنْ نَفَقَةِ دِرْهَمٍ فِي سَبِيلِ اللَّه، إِنَّ فِيه أَرْبَعَ عَشْرَةَ خَصْلَةً يَطْرُدُ الرِّيحَ مِنَ الأُذُنَيْنِ، و يَجْلُو الْغِشَاءَ عَنِ الْبَصَرِ، و يُلَيِّنُ الْخَيَاشِيمَ، و يُطَيِّبُ النَّكْهَةَ، و يَشُدُّ اللِّثَةَ، و يَذْهَبُ بِالْغَشَيَانِ، و يُقِلُّ وَسْوَسَةَ الشَّيْطَانِ، و تَفْرَحُ بِه الْمَلَائِكَةُ، و يَسْتَبْشِرُ بِه الْمُؤْمِنُ، و يَغِيظُ بِه الْكَافِرُ، و هُوَ زِينَةٌ، و هُوَ طِيبٌ، و بَرَاءَةٌ فِي قَبْرِه، و يَسْتَحْيِي مِنْه مُنْكَرٌ و نَكِيرٌ).

  13. – الكافي، الشيخ الكليني، ج ٦، ص ٤٨٢

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *