محمد جواد الدمستانيمحمد جواد الدمستاني

Loading

الآجال تقطع الآمال

«من جرى في عنان أمله عثر بأجله»

محمد جواد الدمستاني

الاتزان و الاعتدال النفسي للإنسان أحد أسباب النجاة و النجاح، و كلما أهمل الإنسان نفسه و فقد السيطرة عليها أخذته إلى حيث لا يريد و أوقعته في المهالك، روي عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله: «مَنْ جَرَى فِي عِنَان أَمَلِهِ عَثَرَ بِأَجَلِهِ»[1]، العِنان هو سير اللّجام الذي تُمسك به الدابة فيسيطر عليها راكبها أو سائقها، و يُقال أرخى له العِنانَ أي وسَّع له وتساهل معه ولم يضيِّق عليه، و أطلق العِنانَ لساقيه أي جرى بسرعة، و أطلق له العِنانَ إذا تركه يفعل ما يشاء، و عثر أي سقط و هوى، فمن ترك لجام دابته تحررت في حركتها و أفلتت عن إرادته حتى تعثر و تسقط و يكون هلاكها في انفلاتها، و المعنى في الحكمة أنّ من أطلق العنان لآماله و اندفع نحوها و جعل يركض خلفها و ترك التحكم فيها دون ضبط و لا حدود و غفل عن الموت و قرب الأجل ضيّعته آماله و تفاجأ بانقطاع حياته بالموت قبل تحقق آماله.

و المراد التنبيه على خطورة الانجرار وراء الآمال فإنّ ذلك غفلة يعثر صاحبها و يداهمه الموت دون استعداد له، فالإنسان إذ طال أمله و استحكمت فيه الغفلة فلم يلتفت إلى مصيره و موته يعثر بأجله، فلا تنهي الحكمة عن الآمال مطلقا بل طول الآمال فإنّ الأعمال بالآمال كما الأمل في طول العمر و سعة الرزق، و أما مطلق الأمل فهو طبيعي للإنسان فهو يأمل و يعمل ما يأمله و يكون دافعا له و محرِّكا نحو العمل، و قد رُوي عن النبي (ص) «اَلْأَمَلُ رَحْمَةٌ لِأُمَّتِي وَ لَوْ لاَ اَلْأَمَلُ مَا رَضَعَتْ وَالِدَةٌ وَ لَدَهَا وَ لاَ غَرَسَ غَارِسٌ شَجَراً»[2]، فالذم متوجه إلى الانجرار وراء الآمال دون التحكم فيها مما يعني أنّ صاحبها لا تحكمه أحكام شرعية أو قوانين و أعراف فهو يتجاوزها في سبيل تحقيق آماله، و من كان هذا شأنه فإنّ الموت يدركه و هو في غفلة الأمل و الأماني.

و الجري وراء الآمال دون توقف ليس له حد إذ إنّ الآمال كثيرة و كلما تحقق جزء منها انفتح صاحبها إلى أخرى و هكذا، كالتاجر الذي كلما ربح زاد أمله في ربح أكبر و هكذا يدركه الموت دون أن يتوقف و يتفرّغ، و الجري وراء الآمال دون عنان يشمل تجاوزا للأعراف و الشرائع المعمول بها، و هذا مهلك، «مَنْ أَطَالَ الْأَمَلَ أَسَاءَ الْعَمَلَ»[3].

و وقوع طويل الأمل و الطموحات دون ضوابط بأجله ليس مبالغة أو ترفا و إنما حقيقة فكم من الذين يغلبهم الأمل و يجرون خلف آمالهم ليلا نهارا قد وقعوا في مهالك، و كم من خائب من تحقق آماله قتلته حسرته، و كم من فاشل في تحقيق رغباته أقدم على الانتحار، و كم من الذين أغرتهم الآمال و أغفلتهم و انغمسوا فيها -و ما أكثرهم- فاجأهم الموت دون أن يحققوا آمالهم.

فالحكمة تحذر من الانسياق وراء الآمال و الطموحات و نسيان الآجال، فينشغل الإنسان بالدنيا دون الالتفات إلى الواجبات و الطاعات و يغفل عن الموت فلا يستعد له، فيأتيه بغتة فيقطع الآمال و الطموحات، و تدعو إلى ترك الغفلة و التمسك باليقظة و الوعي و عدم الركون إلى الدنيا و الجري وراء الطموحات الدنيوية، و العمل بالتوازن بين أعمال الإنسان و آماله، و يكون الأمل حافزا له للعمل و البناء، دون طول أمل يُنسي الآخرة، و دعوة إلى اغتنام الحياة الدنيا فإن الموت قادم قريب.

طول الأمل يطّرد مع عمر الإنسان و لا ينقص فكلما زاد عمر الإنسان ازداد حرصه و طول أمله كما في الرواية عن النبي (ص)، قال: «يَشِيبُ ابْنُ آدَمَ وَتَشُبُّ مَعَهُ خِصْلَتَانِ: الْحِرْصُ وَ طُولُ الأمَلِ»[4]، و ذُكر في مناسبة هذا الحديث عن النبي (ص) قصة تنطبق على الراوي فقد رواها عجوز إلى الطاغية هارون العباسي الذي استلم الحكم سنة 170 هـ، و كان الراوي في طفولته قد رأى النبي (ص)، و امتد به العمر إلى أكثر من قرن و نصف و مع هذا العمر الطويل كان حريصا مؤمّلا بعمر أطول[5].

و في هذا قيل للمسيح (ع): «ما بال المشايخ أحرص على الدّنيا من الشباب، قال: لأنهم ذاقوا من طعم الدنيا ما لم يذقه الشباب»[6].

 

و المراد ذم طول الأمل و الانجرار وراءه و قد ورد في نهج البلاغة عدد من الروايات في ذلك، و أنّه أخوف ما يُخاف على الأمة، و قد هلكت أمم بسببه، و أنه يُنسي الآخرة، قال عليه السلام:

«وَ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَتَانِ اتِّبَاعُ الْهَوَى وَ طُولُ الْأَمَلِ فَتَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا مَا تَحْرُزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً»[7].

«أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَانِ اتِّبَاعُ الْهَوَى وَ طُولُ الْأَمَلِ فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ وَ أَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الْآخِرَةَ»[8].

«وَ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِطُولِ آمَالِهِمْ وَ تَغَيُّبِ آجَالِهِمْ حَتَّى نَزَلَ بِهِمُ الْمَوْعُودُ الَّذِي تُرَدُّ عَنْهُ الْمَعْذِرَةُ وَ تُرْفَعُ عَنْهُ التَّوْبَةُ وَ تَحُلُّ مَعَهُ الْقَارِعَةُ وَ النِّقْمَةُ»[9].

و رُويت عنه عليه السلام عدد من الروايات في الأمل و الأجل، و منها:

في عدم بلوغ الأمل مع اليقين بالأجل «وَ اعْلَمْ يَقِيناً أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ وَ لَنْ تَعْدُوَ أَجَلَكَ»[10].

و لو تدبّر الإنسان في مصيره بعد الموت و ما يجري عليه في الآخرة لأبغض الأمل و غروره «لَوْ رَأَى الْعَبْدُ الأَجَلَ و مَصِيرَهُ لأَبْغَضَ الأَمَلَ و غُرُورَهُ»[11].

و قد يشرف الإنسان على تحقق أمله فيحول بينه أجله و يقطعه «إِنَّ الْمَرْءَ يُشْرِفُ عَلَى أَمَلِهِ فَيَقْتَطِعُهُ حُضُورُ أَجَلِهِ فَلَا أَمَلٌ يُدْرَكُ وَ لَا مُؤَمَّلٌ يُتْرَكُ»[12]، «آفَةُ الْآمَالِ حُضُورُ الْآجَالِ»[13].

  1. – نهج البلاغة، حكمة 19

  2. – أعلام الدين في صفات المؤمنين، الحسن بن محمد الديلمي، ص ٢٩٥، بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج ٧٤، ص ١٧٣

  3. – نهج البلاغة، حكمة 36، و في وسائل الشيعة (آل البيت)، الحر العاملي، ج ٢، ص ٤٣٨ (من أطال أمله أساء عمله).

  4. – معرفة المعاد، السيد محمد حسين الطهراني، ج ١، ص ٢١

  5. – المصدر السابق، قصة الطاغية هارون العباسي و شيخ كبير.

    قال: قيل انّ هارون الرشيد قال يوماً لخواصّه وندمائه: أرغب أن أزور شخصاً قد تشرّف بإدراك الرسول الأكرم (صلّى الله عليه و آله) و سمع منه حديثاً، لينقل لي عنه بلا واسطة.

    وباعتبار انّ خلافة هارون كانت سنة مائة و سبعين هجريّة، فقد كان من الجلي – مع هذه المدّة الطويلة – انّ أحداً لم يبقَ من زمن النبي، و إن وجد فانّه سيكون في غاية الندرة، لذا فقد سعى رجال هارون وملازموه في العثور على شخص بهذه الأوصاف وفتّشوا الأطراف والأكناف ، فلم يعثروا الّا على رجل عجوز متداعٍ متهالك في غاية الضعف و الوهن، لم يبقَ منه الّا أنفاس تتردّد في كومة عظام بالية، فوضعوه في زنبيل وجاءوا به إلى بلاط هارون في غاية العناية وأدخلوه عليه فوراً، فسرّ هارون بذلك كثيراً، لأنه شاهد شخصاً أدرك رسول الله وسمع منه.

    ثم قال له: أيّها العجوز! أرأيت النبي الأكرم؟ قال: بلى.

    فقال هارون: متى رأيته؟

    قال العجوز: أخذ أبي بيدي يوماً في طفولتي و اصطحبني إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ثم لم أدرك محضره حتّى رحل عن الدنيا.

    قال هارون: أفسمعتَ من رسول الله شيئاً ذلك اليوم؟

    أجاب: بلي! سمعتُ من رسول الله ذلك اليوم انّه قال: «يَشِيبُ ابْنُ آدَمَ وَتَشُبُّ مَعَهُ خِصْلَتَانِ: الْحِرْصُ وَ طُولُ الأمَلِ» فسرّ هارون كثيراً بسماعه رواية على لسان رسول الله بوساطة واحدة فقط، و أمر فأعطوا العجوز كيساً من الذهب جائزةً له، ثم اخرج عنه، و حين أرادوا اخراج العجوز من البلاط رفع صوته في أنين واهن ضعيف قائلًا: ردّوني إلى هارون فلدي معه كلام.

    قالوا: لا إمكان في ذلك.

    قال: لا بدّ من رجوعي اليه، فلديّ سؤال ينبغي أن أسأله منه ثم أخرج، و هكذا أعادوا الزنبيل و فيه العجوز إلى هارون، فقال: ما الأمر؟ قال العجوز: لدي سؤال.

    قال هارون: قُلْ، فقال: أيّها السلطان! أعطاؤك الذي تفضّلتَ به علي اليوم لهذه السنة فقط أم هو عطاء يتجدّد كلّ عام؟ فتعالت قهقهة هارون وقال متعجّباً:

    صَدَقَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله)، «يَشِيبُ ابْنُ آدَمَ وَتَشُبُّ مَعَهُ خِصْلَتَانِ الْحِرْصُ وَطُولُ الأمَلِ».

    انّ هذا العجوز لا رمق له ، و لم أكن لأظنّ انّه سيبقى حيّاً حتّى خروجه من البلاط، و ها هو يقول: أهذا العطاء مختصّ بهذه السنة أم انّه عطاء لكلّ سنة لقد أوصله الحرصُ على زيادة المال و طولُ الأمل إلى أن صار يتوقّع لنفسه عمراً فهو في صدد أخذ عطاء جديد.

  6. – أدب الدنيا والدين، علي بن محمد البغدادي الماوردي، ص٢٣٨

  7. – نهج البلاغة، خطبة 28

  8. – نهج البلاغة، خطبة 42

  9. – نهج البلاغة، خطبة 146

  10. – نهج البلاغة، كتاب 31

  11. – نهج البلاغة،

  12. – نهج البلاغة، خطبة 114

  13. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٨٠، عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص ١٨١، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٣١٣، و «آفَةُ الْأَمَلِ الْأَجَلُ»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *