اياد الزهيري

Loading

 

العنف اللفظي وتداعياته

العنف كلمة بدأت تأخذ مداها الواسع والمقلق في السنوات الأخيرة , حتى لا يكاد يمر يوم , بل ساعة إلا وللعنف فيه حصة . قبل أن نغوص بأسباب العنف , نعرفه بأختصار شديد . العنف : كلمة تعني لغةً الشدة والقسوة , أما أصطلاحاً فتعني معالجة الأمور بشدة وغلظة , أما في معجم لسان العرب يعني: الخرق بالأمر وقلة الرفق به , وهو ضد الرفق.

العنف نوعين , منه مايكون جسدي , ومنه اللفظي , وهو الذي يهمنا في بحثنا هذا. العنف اللفظي تنطلق أهميته , بل خطورته , بأنه البداية الممهده للعنف الجسدي . يبدأ العنف اللفظي بكلمات التحقير والتعنيف التي يشعر بها الضحية بالأهانة والأستهجان والأستهزاء , في محاولة يراد منها التصغير والتنقيص من الطرف الأخر لأستشعاره بالضعة سواء كانت مادية أو أجتماعية , من أجل سحق الخصم لأجل أستسلامه وأخضاعة وأرجاعه الى بيت الطاعة أو سحقه والتخلص منه بأعتباره طرف مقلق للطرف الآخر , لكي يسود الطرف المنتصر على الساحة , سواء كانت هذه الساحة أجتماعية أو أقتصادية أو عسكرية أو سياسية . فالعنف مجاله جداً واسع , يبدأ من الزوج والزوجة الى الأطفال , الى المدرسة الى ,السوق الى السياسة , ويكاد يشمل كل نواحي الحياة .

أهمية موضوع العنف يأتي من خلال تصاعده بشكل محموم في مجتمعنا العراقي , وهو محل أهتمامنا , حيث تصاعد بشكل يثير الدهشة ومخاوف الشارع العراقي , والذي أدى تصاعده في السنوات الأخيرة الى هجرة داخلية وخارجية , وقتل , وسفك للدماء رُوع من خلالها المجتمع , وفقد الكثير من طاقاته , وكفاءاته العلمية . وكلنا عاش العنف بكل أشكاله , الحكومي , والحزبي والطائفي والعشائري , وحتى الشخصي , وكيف هز المجتمع من الأعماق , مما ساهم بتصدعه وتمزيقه , وكاد أن يشعل حرب أهلية يستعر لظاها الى ماشاء الله , وتحرق الجميع , ويتمزق البلد , ويَمحى ككيان من الخارطة .

العنف مبعثه توتر النفس ومايختلج بها من صراعات وغليان , تغذيها طموحها الشره , وتسقيها الأفكار العدوانية , سواء كانت فكرية أم سياسية أم دينية , أو طائفية , وحتى عشائرية, فالعنف أما أن يكون سببه داخلي كما يعبر عنه فرويد بأنه تواصل مادي بين الطاقة النفسية للشخص والعالم المحيط , وهو نتيجة لعدم أشباع دوافع اللذة فيقود الى تراكم طاقة نفسية في اللاوعي , تخرج منه بشكل عنيف وهدام. ومن المهم نذكر هنا سؤال وجهه البرت أنشتاين الى عالم النفس النمساوي فرويد يسأله فيه , ماالذي يمكن فعله لحماية الجنس البشري من الحرب ولعنتها؟ فأجابه فرويد إجابة تقطر تشائم قائلاً : للأسف هذا مستحيل لأنني رأيت جذور الحرب في طبيعة الإنسان نفسه(العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد) , فقد يكون العنف اللفظي يبدأ من نكتة , أو مزحة بين أصدقاء , فتتحول الى مشادة بالأيدي , وربما الى القتل .

عادةً يكون المجتمع الذي خضع لقهر أجتماعي وسياسي طويل حساس جداً للكلمة , وغالباً ما تكون ردود أفعاله حادة وعنيفة , والسبب يعود الى ما يختزنه من طاقة مُعدة للأنفجار في ثنايا نفسة تبحث عن سبب لكي تنفجر , ويتخلص من عبئها الثقيل على نفسه , كما أن العادات والتقاليد تلعب دور فعال في سرعة الإثارة للكلمة , وخاصة المجتمعات العشائرية , حيث الكلمة التي يُشم منها رائحة التوهين والتصغير , قد تسهم في أشعال حرب عشائرية يذهب ضحيتها العشرات . من خلال ما قدمنا من أسباب نفسيه وأجتماعية للعنف , يجعل شعبنا العراقي في مركز دائرة العنف , فهو شعب سريع الأستفزاز والأثارة بعكس الشعب المصري , فالعراقي تجمعت ظروف أجتماعية وثقافية وسياسية جعلت منه أنسان سريع الغضب , وأعتقد مايحدث من مشاكل يومية على كل المستويات من العائلة أنتهاءً بالأحزاب والعشائر , تؤكد ما ذهبنا أليه . كما ذكرنا فأن للعنف كثير من الأسياب ولكن رأينا أن نُشير الى سببين كان لهما الأثر الواضح والكبيرفي المساهمة على ترسخ العنف في مجتمعنا , تاركاً بصمة عنفية لا تزال آثارها الى اليوم , بل يمكن أعتبارها ظواهر أسست للعنف في مجتمعنا العراقي, فأرتأينا بأخذ نموذجين أحدهما من التاريخ البعيد , وهو الصراع المعتزلي مع الحنابلة , والآخر من التاريخ القريب ,ذلك الصراع الذي حدث بين الحزب الشيوعي العراقي مع حزب البعث العربي الأشتراكي في العراق منذ بداية النصف الأول من القرن الماضي , والذي أمتد الى نهاية سبعينيات القرن الماضي , حيث قام البعث بتصفية وتشريد الكثير من عناصر الحزب الشيوعي , وبطريقة وحشية .

بدأ الخلاف بين المعتزلة والحنابلة بأختلاف فكري , حيث تبنى المعتزلة فكرت الحرية الأنسانية , وأن الأنسان حر في أفعالة , وبالتالي هو مسؤول عنها شراً أو خيراً  , وهناك قضية أخرى أختلفوا عليها , وهي بماتسمى (قضية خلق القرآن) وهي مسألة كلامية حصل الجدل عليها الى أوجّه بين المعتزلة والحنابلة , حتى وصل الأمر الى الأستتابه أو القتل في عهد المتوكل العباسي الذي تبنى المذهب الحنبلي كأيديولوجيا للسلطة , والتي راح ضحيتها الكثيرون, والحقيقة لقد بدأ المعتزلة بتكفير من يختلف معهم بعد أن أدناهم المأمون العباسي من بلاطه وتبنى أفكارهم , وقد أضطهدوا الحنابلة وعلى رأسهم أمامهم أحمد بن حنبل , حيث قُدم للمحاكمة بسبب أفكاره التي تتعارض مع المعتزلة وخاصة في مسألة (خلق القرآن) مما أُعتبر أسلوباً تعسفياً في مواجهة من يُختلف معه عقائدياً, وهذا ما أوغر قلوب الحنابلة, وقاد الى معاملة المعتزلة بقسوة حين تبناهم الخليفة العباسيالمتوكل بالله , وتعرضوا الى أضطهاد شديد من قِبل الحنابلة , وقد أضطر أحد المعتزلة الى الأعتكاف في بيته خمسين سنة لايبرح الخروج من بيته , وقادوا حرب كلاميه ضدهم , حتى ألف أحد أتباع بن حنبل المدعو حرب بن أسماعيل (المتوفي 288) كتاباً سماه كتاب السنة والجماعة شتم فيه فرق أهل الصلاة وخص بهم المعتزلة بقدر كبير من شتائمله , وقد تعمق الأنقسام الأجتماعي مع سيادة منطق التكفير , والذي وصل الى حد أن يقوم أحد زعماء الحنبلية المدعو الشيخ الحسن بن علي البربهاري الى أنشاء ميليشيا مسلحة أستولت على الشارع البغدادي والبصري(معمار الفكر المعتزلي ص355 ) والتي خُتمت بفتنة الكرخ التي أمر بها المستعصم بالله العباسي المتبني للحنابلة بأحراق محالودور الكرخ الشيعية  ونهبها , وهتكوا النساء سنة 454 هجرية , على يد أبن الخليفة المستعصم , أبو بكر, ولم تكن حرب الكلمات التي يتقدمها التكفير والتي تنتهي بالسب والشتم فقط بين المعتزلة والحنابلة فقط , بل  أستفحل الأمر , حتى بات المعتزلة يكفر بعضهم بعضاً ,والذي قاد هذا الأسراف بالتكفير الى أضمحلال وجود المعتزلة خاصة بالبصرة , وقد نقل ابو حيان التوحيدي صورةً سيئة عن تكفير المعتزلة لبعضهم , وخاصة الجُبائين , حيث وصل الأمر بهم الى تكفير الأب لأبنه فنرى تكفير أبو علي الجبائي لأبنه أبو هاشم الجبائي , وفي المقابل كفر الأبن أبو هاشم أباه أبو علي الجبائي . هذه الصورة للحرب الكلامية التي حدثت على أرض العراق في التاريخ البعيد , ولكن يمكننا أخذ صورة أخرى لهكذا نوع من تاريخنا الحديث وفي بدايات النصف الثاني من القرن العشرين , حيث بدأ صراع محموم بين البعثيين والشيوعين العراقيين , والتي بدأت على شكل حرب كلامية عن طريق رفع شعارات تنديد وتحريض كلامي من قِبل الشيوعين ضد البعثيين الذين قاموا بمحاولة أغتيال للزعيم بعد الكريم قاسم , وكانت هذه الشعارات أمثال (أعدم أشنق لا تقول ما عندي وقت) و(ماكو مآمرة تصير والجبال موجودة) , حتى أدت هذه المماحكات الكلامية الى تشكيل مليشيات تسمى بأنصار السلام , كما تواصل العنف الكلامي عبر مسيرات وخطابات تتسم بالتشدد , وتفوح منها رائحة العنف , من خلال مسيرات ومهرجانات خطابية في الموصل وكركوك أدت الى عنف مادي ,راح ضحيتها أفراد من الجهة المقابلة , مما أوغر صدور البعثيين , حيث أضمروا للشيوعين الأنتقام , وفعلاً عندما أنقلب البعثيين في 8 شباط 1963 م على الزعيم عبد الكريم شكل البعثيون مليشيات الحرس القومي السيئة الصيت والتي سامت الشيوعين سوء العذاب والتي راح ضحيتها الكثير منهم , حيث مارس البعثيون أبشع أساليب التعذيب للشيوعيون حتى صار السحل بالشوارع , وأُعتدي على الكثير من النساء ,وزُج الكثير منهم بالسجون والمعتقلات , وسجن نقرة السلمان سيئ الصيت شاهد على ماحدث ,وهذا ما يذكرنا بفتنة الكرخ التي حدثت بين مليشيات الحنابلة التي أسسها الشيخ البربهاري وأهالي الكرخ من الشيعة , كما أُستخدمت ضد خصومهم من المعتزلة , ومن هنا تبدأ الحروب والنزاعات من فكرة تُنطق بلسان صاحبها فتتحول الى شرارة تحرق الأخضر واليابس .نحن ذكرنا مثلين لا للحصر وأنما كمثلين حصلا على أرض العراق كنتيجة لعنف الخطاب بين المتخاصمين , وبالعموم يحمل هكذا خطاب بين ثناياه فكرة تكفير وأقصاء الأخر عبر ما يحمله أحد أو كلا الخصمين لفكرة تملك الحقيقة المطلقة , والتي تتحول هذه الأفكار الى قناعة تامة عند هذه الأطراف مما يسمح أحدهم أو كليهما لنفسه الى ألغاء الأخر بكل الطرق المتاحة . لا شك بأن عنف الكلمة قد يكون أكثر أستفزاز للطرف الأخر, لما تحمله الكلمة من زخم يُثير حفيظة الطرف الآخر, قد تَحمله على رفع السلاح بوجه الطرف الأخر . أن حساسية الكلمة قد نجدها في بيئة تختلف تماماً في تأثيرها وحساسيتها في بيئة أخرى , وهذا يعتمد على الوضع التاريخي والأجتماعي والثقافي بين منطقة وأخرى أو بلد وآخر , والعنف ثقافة قبل أن يكون سلوك فمثلاً البدوي يقول الذي لا يجلب حقه بالسيف جبان , ونحن شهدنا في الآونة الأخيرة كثرة أستخدام العنف في المناطق الجنوبية , بين العشائر , والتي كانت آخرها في ناحية الأصلاح والتي راح ضحيتها مدير الأستخبارات العسكرية برتبة عميد ركن , في حين لم نجد هذا العنف بين عشائر الفرات الأوسط , وهنا يتبين أن للعادات والتقاليد والثقافة دور بارز ومهم في أستخدام العنف وعدمه , لذا يبقى الحوار هو الطريق الأنجع في صناعة السلم الأهلي , وبناء حياة أكثر أستقرار وأمان في المجتمع الواحد , وإن ما ذكرنا أعلاه من حوادث لانبغي من وراءها الا العبرة , لكي لا تتكرر المأساة التي حصدت الآلاف من أرواح شعبنا , وكلفتنا الكثير من الدماء , فالحوار هو سبيل الأحرار , وطريق العقلاء , ومسلك الأقوياء.

أياد الزهيري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *